وإذ ثبت هذا فنقول : لما دلت الآية على أن إبراهيم عليه السلام إنما كان بهذا المنصب العالي وهو كونه خليلاً لله تعالى بسبب أنه كان عاملاً بتلك الشريعة كان هذا تنبيهاً على أن من عمل بهذا الشرع لا بدّ وأن يفوز بأعظم المناصب في الدين، وذلك يفيد الترغيب العظيم في هذا الدين.
فإن قيل : ما موقع قوله ﴿واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾
قلنا : هذه الجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب، ونظيره ما جاء في الشعر من قوله :
والحوادث جمة.. والجملة الاعتراضية من شأنها تأكيد ذلك الكلام، والأمر ههنا كذلك على ما بيناه. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ٤٦ ـ ٤٧﴾
فصل
قال الفخر :
ذكروا في اشتقاق الخليل وجوهاً :
الأول : أن خليل الإنسان هو الذي يدخل في خلال أموره وأسراره، والذي دخل حبه في خلال أجزاء قلبه، ولا شك أن ذلك هو الغاية في المحبة.
قيل : لما أطلع الله إبراهيم عليه السلام على الملكوت الأعلى والأسفل ودعا القوم مرة بعد أخرى إلى توحيد الله، ومنعهم عن عبادة النجم والقمر والشمس، ومنعهم عن عبادة الأوثان ثم سلم نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان جعله الله إماماً للخلق ورسولاً إليهم، وبشره بأن الملك والنبوة في ذريته، فلهذه الاختصاصات سماه خليلاً، لأن محبة الله لعبده عبارة عن إرادته لإيصال الخيرات والمنافع إليه.
الوجه الثاني في اشتقاق اسم الخليل : أنه الذي يوافقك في خلالك.
أقول : روي عن النبي ﷺ أنه قال :" تخلقوا بأخلاق الله " فيشبه أن إبراهيم عليه السلام لما بلغ في هذا الباب مبلغاً لم يبلغه أحد ممن تقدم لا جرم خصه الله بهذا التشريف.