ويعدّون الاهتمام بالآباء والأبناء في الدرجة الثانية، حتّى يقولون في الدعاء :( فذاك أبي وأمي )، فكانت الآية تبطل هذه الحميّة وتبعث المسلمين على الانتصار للحقّ والدفاع عن المظلوم.
فإن أبيتَ إلاّ جعل الأنفس بمعنى ذوات الشاهديِنَ فاجعل عطف "الوالدين والأقربين" بعد ذلك لقصد الاحتراس لئلاّ يظنّ أحد أنّه يشهد بالحقّ على نفسه لأنّ ذلك حقّه، فهو أمير نفسه فيه، وأنّه لا يصلح له أن يشهد على والديه أو أقاربه لما في ذلك من المسبّة والمعرّة أو التأثمّ، وعلى هذا تكون الشهادة مستعملة في معنى مشترك بين الإقرار والشهادة، كقوله :﴿ شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط ﴾ [ آل عمران : ١٨ ]. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٤ صـ ٢٧٥ ـ ٢٧٦﴾
قوله تعالى ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾
قال الفخر :
﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا﴾ أي إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا تكتموا الشهادة إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما، وكان من حق الكلام أن يقال : فالله أولى به، لأن قوله ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً﴾ في معنى أن يكن أحد هذين إلا أنه بنى الضمير على الرجوع إلى المعنى دون اللفظ، أي الله أولى بالفقير والغني، وفي قراءة أُبي فالله أولى بهم، وهو راجع إلى قوله ﴿أَوِ الوالدين والأقربين﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ٥٩﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا ﴾ في الكلام إضمار وهو اسم كان ؛ أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنِياً فلا يُراعى لغناه ولا يُخاف منه، وإن يكن فقيراً فلا يُراعى إشفاقاً عليه.
﴿ فالله أولى بِهِمَا ﴾ أي فيما اختار لهما من فقر وغِنى.


الصفحة التالية
Icon