فجعلها قاسية محجوبة عن رحمته، ولذا سبب عنه قوله :﴿فلا يؤمنون﴾ أي يجددون الإيمان في وقت من الأوقات الآتية، ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة لكلامهم : طبع الله عليها فهي لا تعي، وتكون " بل " استدراكاً للطبع بالكفر وحده، لأنه ربما انضم إليه، وأن يكون أضرب عن قولهم : إنها في غلف، لكون ما في الغلاف قد يكون مهيئاً لإخراجه من الغلاف إلى الطبع الذي من شأنه الدوام ﴿إلا قليلاً﴾ من الإيمان بأن يؤمنوا وقتاً يسيراً كوجه النهار ويكفروا في غيره، ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، أو إلا إناساً قليلاً منهم - كما كان أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات، ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما هو مذكور في توراتهم التي بين أظهرهم، ونقلت كثيراً منه في هذا الكتاب، فقامت الحجة عليهم بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ٣٤٨ ـ ٣٤٩﴾

فصل


قال الفخر :
في متعلق الباء في قوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ قولان الأول : أنه محذوف تقديره فيما نقضهم ميثاقهم وكذا، لعنادهم وسخطنا عليهم، والحذف أفخم لأن عند الحذف يذهب الوهم كل مذهب، ودليل المحذوف أن هذه الأشياء المذكورة من صفات الذم فيدل على اللعن.
الثاني : أن متعلق الباء هو قوله ﴿فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [ النساء : ١٦٠ ] وهذا قول الزجاج ورغم أن قوله ﴿فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ﴾ بدل من قوله ﴿فِمَا نَقْضِهِم ﴾.
واعلم أن القول الأول أولى، ويدل عليه وجهان : أحدهما : أن من قوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم﴾ إلى قوله ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ الآيتين بعيد جداً، فجعل أحدهما بدلاً عن الآخر بعيد.


الصفحة التالية
Icon