فإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الأول كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم أوعية للعلم وبيّن أنه تعالى طبع عليها وختم عليها فلا يصل أثر الدعوة والبيان إليها، وهذا يليق بمذهبنا، وإن حملنا الآية المتقدمة على التأويل الثاني كان المراد من هذه الآية أنه تعالى كذبهم في ادعائهم أن قلوبهم في الأكنة والأغطية، وهذا يليق بمذهب المعتزلة، إلاّ أن الوجه الأول أولى، وهو المطابق لقوله ﴿بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾.
ثم قال :﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي لا يؤمنون إلاّ بموسى والتوراة، وهذا إخبار منهم على حسب دعواهم وزعمهم، وإلاّ فقد بيّنا أن من يكفر برسول واحد وبمعجزة واحدة فإنه لا يمكنه الإيمان بأحد من الرسل ألبتة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١١ صـ ٧٨ ـ ٧٩﴾
قال السمرقندى :
ثم قال عز وجل :﴿ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم ﴾ ولم يذكر في هذه الآية جوابهم، والجواب فيه مضمر فكأنه قال : وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً، فبنقضهم الميثاق لعنهم الله تعالى وخذلهم كقوله ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثاقهم وَكُفْرِهِم بأايات الله وَقَتْلِهِمُ الانبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ [ النساء : ١٥٥ ] ثم قال :﴿ وَكُفْرِهِم بئايات الله ﴾ يعني بكفرهم بآيات الله لعنهم الله وخذلهم.
ثم قال تعالى :﴿ وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ ﴾ يعني : وبقتلهم الأنبياء بغير جرم ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ يعني : ذا غلاف ولا نفقه حديثك، وقرأ بعضهم : غلف بضم اللام وجماعة الغلاف يعني أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك.