واستشكل بأن التحريم كان في التوراة ولم يكن حينئذٍ كفر بمحمد ﷺ وبعيسى عليه السلام ولا ما أشار إليه قوله تعالى :﴿ وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً ﴾ أي ناساً كثيراً، أو صداً أو زماناً كثيراً، وقيل في جوابه : إن المراد استمرار التحريم فتدبر ولا تغفل، وهذا معطوف على الظلم وجعله، وكذا ما عطف عليه في "الكشاف" بياناً له، وهو كما قال بعض المحققين لدفع ما يقال : إن العطف على المعمول المتقدم ينافي الحصر، ومن جعل الظلم بمعناه وجعل ﴿ بصدّهم ﴾ متعلقاً بمحذوف فلا إشكال عليه، ومن هذا يعلم تخصيص ما ذكره أهل المعاني من أنه مناف للحصر بما إذا لم يكن الثاني بياناً للأول كما إذا قلت : بذنب ضربت زيداً وبسوء أدبه، فإن المراد فيه لا بغير ذنب، وكذا خصصوا ذلك بما إذا لم يكن الحصر مستفاداً من غير التقديم. أ هـ ﴿ روح المعانى حـ ٦ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾
إن كان متعلَّق قوله :﴿ فبما نقضهم ﴾ النساء : ١٥٥ ) محذوفاً على أحد الوجهين المتقدّمين كان قوله :﴿ فبظلم ﴾ مفرّعاً على مجموع جرائمهم السالفة.
فيكون المراد بظلمهم ظلماً آخر غير ما عُدّد من قبل، وإن كان قوله :﴿ فبما نقضهم ﴾ [ النساء : ١٥٥ ] متعلّقاً بقوله :﴿ حرّمنا عليهم ﴾ فقوله :﴿ فبظلم ﴾ الخ بَدَل مطابق من جملة ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [ النساء : ١٥٥ ] بإعادة العامل في البدل منه لطول الفصل.
وفائدة الإتيان به أن يظهر تعلّقه بقوله :﴿ حرّمنا عليهم طيّبات ﴾ إذ بَعُد ما بينه وبين متعلّقه، وهو قوله :﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ [ النساء : ١٥٥ ] ليقوى ارتباط الكلام.