فصل


قال الفخر :
اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية، والتقدير يا أهل الكتاب من النصارى لا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم، فلهذا قال للنصارى ﴿لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ﴾ وقوله ﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق﴾ يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه، ونزهوه عن هذه الأحوال.
ولما منعهم عن طريق الغول أرشدهم إلى طريق الحق، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده وأما قوله ﴿وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾.
فاعلم أنا فسرنا ( الكلمة ) في قوله تعالى :﴿إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح﴾ [ آل عمران : ٤٥ ] والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [ آل عمران : ٥٩ ] أما قوله ﴿وَرُوحٌ مّنْهُ﴾ ففيه وجوه : الأول : أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئاً بغاية الطهارة والنظافة قالوا : إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح، والمراد من قوله ﴿مِنْه﴾ التشريف والتفضيل كما يقال : هذه نعمة من الله، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة.
الثاني : أنه كان سبباً لحياة الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك وصف بأنه روح.


الصفحة التالية
Icon