ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال :﴿واصفح﴾ أي وأعرض عن ذلك أصلاً ورأساً، فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم، فإن ذلك إحسان منك، وإذا أحسنت أحبك الله ﴿إن الله﴾ أي الذي له جميع صفات الكمال ﴿يحب المحسنين﴾ وذلك - كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم وفي رواية للبخاري : إنه رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقاً - حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وذلك أشد السحر، ثم إن الله تعالى شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان، فقالت له عائشة رضي الله عنها : أفلا أخرجته؟ فقال : لا، أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شراً، فأمر بها فدفنت، وهو في معجم الطبراني الكبير - وهذا لفظه - ومسند أبي يعلى الموصلي وسنن النسائي الكبرى ومسند عبد بن حميد وأبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال :" كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم.
فعقد له عقداً فجعله في بئر رجل من الأنصار، فأتاه ملكان يعودانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال أحدهما : أتدري ما وجعه؟ قال : فلان الذي يدخل عليه عقد له عقداً فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل إليه رجلاً لوجد الماء أصفر، فبعث رجلاً فأخذ العقد فحلّها فبرأ، فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي ﷺ فلم يذكر له شيئاً منه ولم يعاتبه " وللشيخين عن أنس رضي الله عنه " أن امرأة يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك، قال : ما كان الله ليسلطك على ذلك - أو قال : عليّ - قالوا : فلا تقتلها؟ قال : لا، قال : فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى الله عليه وسلم.


الصفحة التالية
Icon