وقوله تعالى :﴿ يا أهل الكتاب ﴾ لفظ يعم اليهود والنصارى ولكن نوازل الإخفاء كالرحم وغيره إنما حفظت لليهود، لأنهم كانوا مجاوري رسول الله ﷺ في مهاجره، وقال محمد بن كعب القرظي : أول ما نزل من هذه السورة هاتان الآيتان في شأن اليهود والنصارى، ثم نزل سائر السورة بعرفة في حجة الوداع وقوله :﴿ رسولنا ﴾ يعني محمداً ﷺ، وفي الآية الدالة على صحة نبوته. لأن إعلامه بخفيّ ما في كتبهم وهو أمي لا يقرأ ولا يصحب القرأة دليل على أن ذلك إنما يأتيه من عند الله تبارك وتعالى، وأشهر النوازل التي أخفوها فأظهرها الله على لسان نبيه أمر الرجم، وحديثه مشهور. ومن ذلك صفات محمد ﷺ إلى غير ذلك. و﴿ من الكتاب ﴾ يعني من التوراة وقوله :﴿ ويعفو عن كثير ﴾ معناه ويترك كثيراً لا يفضحكم فيه إبقاء عليكم. وهذا المتروك هو في معنى افتخارهم ووصفهم أيام الله قبلهم ونحو ذلك مما لا يتعين في ملة الإسلام فضحهم فيه وتكذيبهم، والفاعل في ﴿ يعفو ﴾ هو محمد ﷺ، ويحتمل أن يستند الفعل إلى الله تعالى وإذا كان العفو من النبي عليه السلام فبأمر ربه، وإن كان من الله تعالى فعلى لسان نبيه عليه السلام، والاحتمالان قريب بعضهما من بعض.
قوله عز وجل :﴿ نور وكتاب مبين ﴾ يحتمل أن يريد محمداً ﷺ والقرآن، وهذا هو ظاهر الألفاظ، ويحتمل أن يريد موسى عليه السلام والتوراة (٢)، أي ولو اتبعتموها حق الاتباع لآمنتم بمحمد، إذ هي آمرة بذلك مبشرة به. أ هـ ﴿المحرر الوجيز حـ ٢ صـ ﴾
_________
(٢) هذا قول بعيد.
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾ أي في التوحيد والإيمان بمحمد ﷺ ؛ إذ هو مكتوب في الإنجيل.