فلا يأتي في هذا ما لعلماء المعاني من الخلاف في أنّ ضمير الفصل هل يفيد قصر المسند إليه، وهو الأصحّ ؛ أو العكس، وهو قليل، لأنّ مقام اتّحاد المسمَّيين يسوّي الاحتمالين ويصرف عن إرادة القصر.
وقد أشار إلى هذا المعنى إشارة خفية قول صاحب "الكشّاف" عقب قوله :﴿ الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم ﴾ "معناه بتُّ القول على أنّ حقيقة الله هو المسيح لا غير".
ومحلّ الشاهد من كلام "الكشّاف" ما عدا قوله ( لا غير )، لأنّ الظاهر أن ( لا غير ) يشير إلى استفادة معنى القصر من مثل هذا التّركيب، وهو بعيد.
وقد يقال : إنّه أراد أنّ معنى الانحصار لازم بمعنى الاتّحاد وليس ناشئاً عن صيغة قصر.
ويفيد قولهم هذا أنّهم جعلوا حقيقة الإله الحقّ المعلوم متّحدة بحقيقة عيسى عليه السلام بمنزلة اتّحاد الاسمين للمسمّى الواحد، ومرادهم امتزاج الحقيقة الإلهيّة في ذات عيسى.
ولمّا كانت الحقيقة الإلهيّة معنونة عند جميع المتديّنين باسم الجلالة جَعَل القائلون اسم الجلالة المسندَ إليه، واسمَ عيسى المسند ليدلّوا على أنّ الله اتّحدَ بذات المسيح.
وحكاية القول عنهم ظاهرة في أنّ هذا قالوه صراحة عن اعتقاد، إذ سرى لهم القول باتّحاد اللاهوت بناسوتتِ عيسى إلى حدّ أن اعتقدوا أنّ الله سبحانه قد اتّحد بعيسى وامتزج وجود الله بوجود عيسى.
وهذا مبالغة في اعتقاد الحلول.
وللنّصارى في تصوير هذا الحلول أو الاتّحاد أصل، وهو أنّ الله تعالى جوهر واحد، هو مجموع ثلاثة أقانيم ( جمع أقنوم بضمّ الهمزة وسكون القاف وهو كلمة رومية معناها : الأصل، كما في القاموس ؛ وهذه الثلاثة هي أقنوم الذات، وأقنوم العلم وأقنوم الحياة، وانقسموا في بيان اتّحاد هذه الأقانيم بذات عيسى إلى ثلاثة مذاهب : مذهب المَلْكانِيَّة وهم الجاثلقية ( الكاثوليك )، ومذهب النَّسْطُورية، ومذهب اليَعقوبية.
وتفصيله في كتاب "المقاصد".