ومن فوائد أبى حيان فى الآية
قال رحمه الله :
﴿ قالوا يا موسى لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ﴾ لما كرر عليهم أمر القتال كرروا الامتناع على سبيل التوكيد بالمولين، وقيدوا أولاً نفي الدخول بالظرف المختص بالاستقبال وحقيقته التأبيد، وقد يطلق على الزمان المتطاول فكأنهم نفوا الدخول طول الأبد، ثم رجعوا إلى تعليق ذلك بديمومة الجبارين فيها، فأبدلوا زماناً مقيداً من زمان هو ظاهر في العموم في الزمان المستقبل، فهو بدل بعض من كل.
﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا ﴾ ظاهر الذهاب الانتقال، وهذا يدل على أنهم كانوا مشبهة، ولذلك قال الحسن : هو كفر منهم بالله تعالى.
قال الزمخشري : والظاهر أنهم قالوا ذلك استهانة بالله ورسله وقلة مبالاة بهما واستهزاء، وقصدوا ذهابهما حقيقة لجهلهم وجفائهم وقسوة قلوبهم التي عبدوا بها العجل، وسألوا بها رؤية الله جهرة، والدليل عليه مقابلة ذهابهما بقعودهم.
ويحكى أنّ موسى وهارون خرّا لوجوههما ما قدامهم لشدة ما ورد عليهما فسموا برجمهما، ولأمر ما قرن الله اليهود بالمشركين وقدمهم عليهم في قوله تعالى :﴿ لتجدن أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ﴾ وقيل : يحتمل أن لا يقصدوا الذهاب حقيقة، ولكن كما تقول : كلمته فذهب يحبيني، يريد معنى الإرادة والقصد للجواب، كأنهم قالوا : اريد إقبالهم.
والمراد بالرّب هنا هو الله تعالى.
وذكر النقاش عن بعض المفسرين هنا أن المراد بالرّب هارون، لأنه كان أسن من موسى، وكان معظماً في بني إسرائيل محبباً لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا : اذهب أنت وكبيرك.
وهو تأويل بعيد يخلص بني إسرائيل من الكفر.
وربك معطوف على الضمير المستكن في اذهب المؤكد بالضمير المنفصل، وقد تقدّم الكلام على ذلك في قوله :﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ ورددنا قول من ذهب إلى أنه مرفوع على فعل أمر محذوف يمكن رفعه الظاهر، فيكون من عطف الجمل التقدير : فاذهب وليذهب ربك.