لطيفة
قال فى ملاك التأويل :
قوله تعالى :" ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير " وفى سورة الفتح :"ولله ملك السماوات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكان الله غفورا رحيما " فقدم فى المائدة ذكر التعذيب وآخرفى سورة الفتح وأعقبت الأولى بقوله :"والله على كل شئ قدير " والثانية بقوله :"وكان الله غفورا رحيما " فهذان سؤالان.
والجواب عن الأول : أنه لما تقدم آية المائدة قوله تعالى :"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا... الآية " وقوله :"والسارق والسارقة... الآية " وقد وقع فى الآيتين ذكر تنكيل الطائفتين ممن حارب أو سرق مقدما فقيل فى الطائفة الأولى :"أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وألاجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض " فهذا ما يعجل لهم فى الدنيا ثم أعلم تعالى بوعيدهم الأخراوى وجزائهم إن هم وافوا على فعلهم هذا مستحلين ذلك المرتكب أو غير مستحلين إن أنفذ الوعيد عليهم وأعقب تعالى بذكر إقالتهم إن تابوا قبل أن يقدر عليهم بما أعطاه الاشتثناء وأشار إليه قوله تعالى :"فاعلموا أن الله غفور رحيم " وقيل فى الطائفة الثانية :"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ثم قال :"فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح " إذ أشار إلى من أقلع منهم تائبا وأصلح فإن الله يتوب عليه فقد تقدم فى هاتين القصتين ذكر الامتحان قبل ما به رجاء الغفران وهذا فى مآلهم الفدنياوى، ثم أعقب الآية التى أعلم فيها بانفراده بملك السماوات والأرض وأنه تعالى يعذب من يشاء فقد ذكر العذاب على المغفرة تنظيرا لما تقدم ومقابلة تطابق إذ كل ذلك بقره تعالى وسابق مشيئته فهذا وجه التقديم فى آية المائدة.