قال ابن عباس : يعذب من يشاء على الصغيرة ويغفر لمن يشاء على الكبيرة وقيل يعذب من يشاء على معصيته وكفره بالقتل والقطع وغير ذلك في الدنيا، ويغفر لمن يشاء بالتوبة عليه فينقذه من الهلكة والعذاب وإنما قدم التعذيب على المغفرة، لأنه في مقابلة قطع السرقة على التوبة.
وهذه الآية فاضحة للقدرية والمعتزلة في قولهم بوجوب الرحمة للمطيع والعذاب للعاصي لأن الآية دالة على أن التعذيب والرحمة مفوضان إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك وجواب آخر وهو أنه تعالى أخبر أن له ملك السموات والأرض والمالك له أن يتصرف في ملكه كيف يشاء وأراد لا اعتراض لأحد عليه في ملكه يؤكد ذلك قوله ﴿ والله على شيء قدير ﴾ يعني أنه تعالى قادر على تعذيب من أراد تعذيبه من خلقه وغفران ذنوب من أراد إسعاده وإنقاذه من الهلكة من خلقه، لأن الخلق كلهم عبيده وفي ملكه. أ هـ ﴿تفسير الخازن حـ ٢ صـ ﴾
وقال أبو حيان :
﴿ ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء ﴾
لما ذكر تعالى تصرفه في أحكام المحاربين وأحكام السرّاق، ولم يحاب ما ذكر من العقوبات عليهم، نبه على أن ذلك هو تصرف في ملكه، وملكه لا معقب لحكمه، فيعذب من يشاء عذابه وهم المخالفون لأمره، ويغفر لمن يشاء وهم التائبون.
والخطاب في ألم تعلم قيل : للنبي ﷺ، وقيل : لكل مكلف، وقيل : للمجترىء على السرقة وغيرها من المحظورات.
فالمعنى : ألم تعلم أنّك عاجز عن الخروج عن ملكي، هارباً مني ومن عذابي، فلم اجترأت على ما منعتك منه؟ وأبعد من ذهب أنه خطاب اليهود كانوا بحضرة الرسول، والمعنى : ألم تعلموا أنه له ملك السموات والأرض، لا قرابة ولا نسب بينه وبين أحد حتى يحابيه، ويترك القائلين نحن أبناء الله وأحباؤه.
قال الزمخشري : من يشاء من يجب في الحكم تعذيبه والمغفرة له من المصرّين والتائبين انتهى.
وفيه دسيسة الاعتزال.