وأما ما في السنة فحديث البَرَاء بن عازب قال :" مُرَّ على رسول الله ﷺ بيهودي قد جُلِد وحُمِّم فقال :"أهكذا حدّ الزاني عندكم" فقالوا : نعم.
فدعا رجلاً من علمائهم فقال :"سألتك بالله أهكذا حدّ الزاني فيكم" فقال : لا " الحديث وقد تقدّم.
قال النحاس : فاحتجوا بأن النبي ﷺ حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث.
فإن قال قائل : ففي حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي ﷺ ؛ قيل له : ليس في حديث مالك أيضاً أن الذين زنيا رضِيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو عمر بن عبدالبر : لو تدبر من احتج بحديث البَرَاء لم يحتج ؛ لأن في دَرْج الحديث تفسير قوله عز وجل :﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فاحذروا ﴾ يقول : إن أفتاكم بالجلد والتّحميم فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، دليل على أنهم حكّموه.
وذلك بيّن في حديث ابن عمر وغيره.
فإن قال قائل : ليس في حديث ابن عمر أن الزانيين حَكَّما رسول الله ﷺ ولا رضيا بحكمه.
قيل له : حدّ الزاني حق من حقوق الله تعالى على الحاكم إقامته.
ومعلوم أن اليهود كان لهم حاكم يحكم بينهم، ويقيم حدودهم عليهم، وهو الذي حَكَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٦ صـ ﴾
فائدة
قال ابن عاشور :
وقد خيّر الله تعالى رسوله ﷺ في الحكم بينهم والإعراض عنهم.
ووجه التخيير تعارض السببين ؛ فسبب إقامة العدل يقتضي الحكمَ بينهم، وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلاّ يعرّض الحكم النبوي للاستخفاف.
وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشقّ المقتضي أنّه يحكم بينهم إشارة إلى أنّ الحكم بينهم أولى.
ويؤيّده قوله بعد ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إنّ الله يحبّ المقسطين ﴾. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٥ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon