"الدلائل" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد ﷺ لعلنا نفتنه عن دينه فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعتنا اليهود كلهم.
وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ فنزلت. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٦ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
يجوز أن يكون قوله ﴿ وأن احكم ﴾ معطوفاً عطفَ جملة على جملة، بأن يجعل معطوفاً على جملة ﴿ فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتّبع أهواءهم ﴾ [ المائدة : ٤٨ ]، فيكون رجوعاً إلى ذلك الأمر لتأكيده، وليبنى عليه قوله :﴿ واحْذَرْهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾ كما بُني على نظيره قوله :﴿ لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ﴾ [ المائدة : ٤٨ ] وتكُون ( أنْ ) تفسيرية.
و( أنْ ) التفسيريّة تفيد تقويّة ارتباط التّفسير بالمفسَّر، لأنّها يمكن الاستغناء عنها، لصحّة أن تقول : أرسلتُ إليه افْعَل كذا، كما تقول : أرسلت إليه أنْ افعَلْ كذا.
فلمّا ذكر الله تعالى أنّه أنزل الكتاب إلى رسوله رتّب عليه الأمر بالحكم بما أنزل به بواسطة الفاء فقال :﴿ فاحكم بينهم ﴾ [ المائدة : ٤٨ ]، فدلّ على أنّ الحكم بما فيه هو من آثار تنزيله.
وعطَف عليه ما يدلّ على أنّ الكتاب يأمر بالحكم بما فيه بما دلّت عليه ( أنْ ) التفسيرية في قوله :﴿ وأنْ احكم بينهم بما أنزل الله ﴾، فتأكَّد الغرض بذِكْره مرّتين مع تفنّن الأسلوب وبداعته، فصار التّقدير : وأنزلنا إليك الكتاب بالحقّ أنْ احكم بينهم بما أنزل الله فاحكم بينهم به.
وممّا حسَّن عطفَ التّفسير هنا طولُ الكلام الفاصِل بين الفعل المفسَّر وبين تفسيره.
وجعله صاحب "الكشاف" من عطف المفردات.