وقوله تعالى :﴿ كانا يأكلان الطعام ﴾ تنبيه على نقص البشرية على حال من الاحتياج إلى الغذاء تنتفي معها الألوهية، وذكر مكي والمهدي وغيرهما أنها عبارة عن الاحتياج إلى الغائط وهذا قول بشع ولا ضرورة تدفع إليه حتى يقصد هذا المعنى بالذكر وإنما هي عبارة عن الاحتياج إلى التغذي ولا محالة أن الناظر إذا تأمل بذهنه لواحق التغذي وجد ذلك وغيره، ثم أمر تعالى محمداً ﷺ وفي الضمن أمته بالنظر في ضلال هؤلاء القوم وبعدهم عن سنن الحق، وأن الآيات تبين لهم وتبرز في غاية الوضوح، ثم هم بعد ذلك يصرفون أي تصرفهم دواعيهم ويزيلهم تكسلهم عن الحق. أ هـ ﴿المحرر الوجيز حـ ٢ صـ ﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ مَا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل ﴾ ابتداء وخبر ؛ أي ما المسيح وإن ظهرت الآيات على يديه فإنما جاء بها كما جاءت بها الرسل ؛ فإن كان إلها فليكن كل رسول إلها ؛ فهذا ردّ لقولهم واحتجاج عليهم، ثم بالغ في الحجة فقال :﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾ ابتداء وخبر ﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ أي أنه مولود مربوب، ومن ولدته النساء وكان يأكل الطعام مخلوق محدث كسائر المخلوقين ؛ ولم يدفع هذا أحد منهم، فمتى يصلح المربوب لأن يكون رباً؟! وقولهم : كان يأكل بناسوتِهِ لا بِلاهوته فهذا منهم مصير إلى الاختلاط، ولا يتصور اختلاط إله بغير إله، ولو جاز اختلاط القديم بالمحدث لجاز أن يصير القديم محدثاً، ولو صح هذا في حق عيسى لصح في حق غيره حتى يُقال : اللاهوت مخالط لكل محدث.
وقال بعض المفسرين في قوله :﴿ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام ﴾ إنه كناية عن الغائط والبول.
وفي هذا دلالة على أنهما بشران.
وقد استدل من قال : إن مريم عليها السلام لم تكن نبية بقوله تعالى :﴿ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ﴾.


الصفحة التالية
Icon