وليست جملة ﴿ فريقاً كذبوا ﴾ وما تقدّمها من متعلّقها استئنافاً، إذ ليس المقصود الإخبار بأنّ الله أرسل إليهم رسلاً بل بمدلول هذا الحال.
وبهذا يظهر لك أنّ التّقسيم في قوله :﴿ فريقاً كذّبوا وفريقاً يقتلون ﴾ ليس لرسول من قوله :﴿ كلّما جاءهم رسول ﴾ بل ل ﴿ رُسلاً ﴾، لأنَّنا اعتبرنا قوله :﴿ كلّما جاءهم رسول ﴾ مقدّماً من تأخير.
والتقدير : وأرسلنا إليهم رسلاً كذّبوا منهم فريقاً وقتلوا فريقاً كُلّما جاءهم رسول من الرسل.
وبهذا نستغني عن تكلّفات وتقدير في نظم الآية الآتي على أبرع وجوه الإيجاز وأوضح المعاني.
وقوله :﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ أي بما لا تحبّه.
يقال : هَوِي يهوَى بمعنى أحبّ ومَالت نفسه إلى ملابسة شيء.
إنّ بعثة الرسل القصد منها كبح الأنفس عن كثير من هواها الموقع لها في الفساد عاجلاً والخسران آجلاً، ولولا ذلك لتُرك النّاس وما يهوَوْن، فالشرائع مشتملة لا محالة على كثير من منع النّفوس من هواها.
ولمّا وصفت بنو إسرائيل بأنّهم يكذّبون الرسل ويقتلونهم إذا جاؤوهم بما يخالف هواهم علمنا أنّه لم يَخْلُ رسول جاءهم من أحد الأمرين أو كليهما : وهما التّكذيب والقتل.
وذلك مستفاد من ﴿ كلّما جاءهم رسول ﴾، فلم يبق لقوله :﴿ بما لا تهوى أنفسهم ﴾ فائدة إلاّ الإشارة إلى زيادة تفظيع حالهم من أنّهم يكذّبون الرسل أو يقتلونهم في غير حالة يلتمسون لأنفسهم فيها عُذراً من تكليففٍ بمشقّة فادحة، أو من حدوث حادثثِ ثائرة، أو من أجل التّمسّك بدين يأبون مفارقته، كما فعل المشركون من العرب في مجيء الإسلام، بل لمجرّد مخالفة هوى أنفسهم بعد أن أخذ عليهم الميثاق فقبلوه فتتعطّل بتمرّدهم فائدة التّشريع وفائدة طاعة الأمّة لهُداتها.


الصفحة التالية
Icon