والطريق الثاني : أن المتكلمين حكوا عن النصارى أنهم يقولون : جوهر واحد، ثلاثة أقانيم أب، وابن، وروح القدس، وهذه الثلاثة إله واحد، كما أن الشمس اسم يتناول القرص والشعاع والحرارة، وعنوا بالأب الذات، وبالابن الكلمة، وبالروح الحياة، وأثبتوا الذات والكلمة والحياة، وقالوا : إن الكلمة التي هي كلام الله اختلطت بجسد عيسى اختلاط الماء بالخمر، واختلاط الماء باللبن، وزعموا أن الأب إلهة، والابن إله، والروح إله، والكل إله واحد.
واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل، فإن الثلاثة لا تكون واحداً، والواحد لا يكون ثلاثة، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فساداً وأظهر بطلاناً من مقالة النصارى.
ثم قال تعالى :﴿وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد﴾ في ﴿مِنْ﴾ قولان : أحدهما : أنها صلة زائدة والتقدير : وما إله إلا إله واحد، والثاني : أنها تفيد معنى الاستغراق، والتقدير : وما في الوجود من هذه الحقيقة إلا فرد واحد.
ثم قال تعالى :﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال الزجاج : معناه : ليمسن الذين أقاموا على هذا الدين ؛ لأن كثيراً منهم تابوا عن النصرانية. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ٥١﴾
وقال السمرقندى :
﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة ﴾ فيه مضمر معناه : ثالث ثلاثة آلهة، ويقال : ثلث من ثلاثة آلهة، يعني : أباً وأماً وروحاً قدساً، يعني : الله ومريم وعيسى.