وانظر ما فسّرنا به عند قوله تعالى :﴿ ولا تسبّوا الّذين يدعون من دون الله ﴾ في سورة الأنعام ( ١٠٨ )، فالمخاطبون كلّهم كانوا يعبدون الله ويشركون معه غيره في العبادة حتّى الّذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم فهم ما عبدوا المسيح إلاّ لزعمهم أنّ الله حلّ فيه فقد عبدوا الله فيه، فشمل هذا الخطاب المشركين من العرب ونصارى العرب كلَّهم.
ولذلك جيء بما } الموصولة دون ( مَن ) لأنّ معظمَ ما عبد من دون الله أشياء لا تَعْقل، وقد غلب ( ما ) لما لا يعقل.
ولو أريد بـ ﴿ ما لا يَملك ﴾ عيسى وأمّه كما في "الكشاف" وغيره وجعل الخطاب خاصّاً بالنّصارى كان التّعبير عنه بـ ﴿ ما ﴾ صحيحاً لأنّها تستعمل استعمال ( مَن )، وكثير في الكلام بحيث يكثر على التّأويل.
ولكن قد يكون التّعبير بمَن أظهر.
ومعنى ﴿ لا يملك ضَرّاً ﴾ لا يقدر عليه، وحقيقة معنى الملك التمكّن من التّصرف بدون معارض، ثم أطلق على استطاعة التّصرّف في الأشياء بدون عَجز، كما قال قَيس بن الخَطِيم:
مَلَكْتُ بها كفّي فأنْهَرَ فتقَها...
يرى قائم من دونها مَا وراءهَا
فإنّ كفّه مملوكة له لا محالة، ولكنّه أراد أنّه تمكّن من كفّه تمام التّمكن فدفع به الرّمح دفعة عظيمة لم تخنه فيها كفّه.
ومِن هذا الاستعمال نشأ إطلاق الملك بمعنى الاستطاعة القويّة الثّابتة على سبيل المجاز المرسل كما وقع في هذه الآية ونظائرها ﴿ ولا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً ﴾ [ الفرقان : ٣ ] ﴿ قل لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً ﴾ [ يونس : ٤٩ ] ﴿ إنّ الّذين تعبدون من دون الله لا يَمْلكون لكم رزقاً ﴾ [ العنكبوت : ١٧ ].


الصفحة التالية
Icon