قوله تعالى :﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ فيه مسألة واحدة : الأكل في هذه الآية عبارة عن التمتع بالأكل والشرب واللباس والركوب ونحو ذلك.
وخصّ الأكل بالذكر ؛ لأنه أعظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان.
وسيأتي بيان حكم الأكل والشرب واللباس في "الأعراف" إن شاء الله تعالى.
وأما شهوة الأشياء الملذة، ومنازعة النفس إلى طلب الأنواع الشهية، فمذاهب الناس في تمكين النفس منها مختلفة ؛ فمنهم من يرى صرف النفس عنها وقهرها عن اتباع شهواتها أَحْرى ليذل له قيادها، ويهون عليه عنادها ؛ فإنه إذا أعطاها المراد يصير أسير شهواتها، .
ومنقاداً بانقيادها.
حُكي أن أبا حازم كان يمرّ على الفاكهة فيشتهيها فيقول : موعِدك الجنة.
وقال آخرون : تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها ونشاطها بإدراك إرادتها.
وقال آخرون : بل التوسط في ذلك أولى ؛ لأن في إعطائها ذلك مرة ومنعها أُخرى جمع بين الأمرين ؛ وذلك النّصف من غير شَيْن. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٦ صـ ﴾
وقال الآلوسى :
﴿ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيّباً ﴾ أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله تعالى فحلالاً مفعول به لكلوا و﴿ مِمَّا رَزَقَكُمُ ﴾ إما حال منه وقد كان في الأصل صفة له إلا أن صفة النكرة إذا قدمت صارت حالاً أو متعلق بكلوا و( من ) ابتدائية.
ويحتمل أن يكون في موضع المفعول لكلوا على معنى أنه صفة مفعول له قائمة مقامه أي شيئاً مما رزقكم أو بجعله نفسه مفعولاً بتأويل بعض إلا أن في هذا تكلفاً.
و﴿ حلالا ﴾ حال من الموصول أو من عائده المحذوف أو صفة لمصدر محذوف أي أكلاً حلالاً.
وعلى الوجوه كلها الآية دليل لنا في شمول الرزق للحلال والحرام إذ لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة سوى التأكيد وهو خلاف الظاهر في مثل ذلك.
﴿ واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ استدعاء إلى التقوى وامتثال الوصية بوجه حسن.


الصفحة التالية
Icon