والآية ظاهرة في أن أكل اللذائذ لا ينافي التقوى، وقد أكل ﷺ ثريد اللحم ومدحه وكان يحب الحلوى.
وقد فصلت الأخبار ما كان يأكله عليه الصلاة والسلام وأواني الكتب ملأى من ذلك.
وروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السنجي فقال : يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال : لا آكله ولا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال : لعاب النحل بلعاب البر مع سمن البقر هل يعيبه مسلم، وذكر الطبرسي أن فيها دلالة على النهي عن الترهب وترك النكاح وقد جاء في غير ما خبر أنه ﷺ قال :" إن الله تعالى لم يبعثني بالرهبانية " وقال عليه الصلاة والسلام في خبر طويل :" شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم " وعن أنس قال :" كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالباءة وينهانا عن التبتل نهياً شديداً ".
وعن أبي نجيح قال : قال رسول الله ﷺ " من كان موسراً لأن ينكح فلم ينكح فليس مني " إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٧ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
وقوله :﴿ وكلوا ممّا رزقكم الله حلالاً طيّباً ﴾ تأكيد للنهي عن تحريم الطّيبات وهو معطوف على قوله :﴿ لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴾ أي أنّ الله وسّع عليكم بالحلال فلا تعتدوه إلى الحرام فتكفروا النعمة ولا تتركوه بالتحريم فتُعرضوا عن النعمة.
واقتُصِر على الأكل لأنّ معظم ما حرّمه الناس على أنفسهم هو المآكل.
وكأنّ الله يعرّض بهم بأنّ الاعتناء بالمهمّات خير من التهمّم بالأكل، كما قال ﴿ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا ﴾ [ المائدة : ٩٣ ] الآية.
وبذلك أبطل ما في الشرائع السابقة من شدّة العناية بأحكام المأكولات.
وفي ذلك تنبيه لِهذه الأمّة.


الصفحة التالية