الثاني : أن العرب كانوا يتقاتلون ويغيرون إلا في الحرم، فكان أهل الحرم آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو ابنه في الحرم لم يتعرض له، ولو جنى الرجل أعظم الجنايات ثم التجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولهذا قال تعالى :﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [ العنكبوت : ٦٧ ] الثالث : أن أهل مكة صاروا بسبب الكعبة أهل الله وخاصته وسادة الخلق إلى يوم القيامة وكل أحد يتقرب إليهم ويعظمهم.
الرابع : أنه تعالى جعل الكعبة قواماً للناس في دينهم بسبب ما جعل فيها من المناسك العظيمة والطاعات الشريفة، وجعل تلك المناسك سبباً لحط الخطيآت، ورفع الدرجات وكثرة الكرامات.
واعلم أنه لا يبعد حمل الآية على جميع هذه الوجوه، وذلك لأن قوام المعيشة إما بكثرة المنافع وهو الوجه الأول الذي ذكرناه، وإما بدفع المضار وهو الوجه الثاني، وإما بحصول الجاه والرياسة وهو الوجه الثالث، وإما بحصول الدين وهو الوجه الرابع، فلما كانت الكعبة سبباً لحصول هذه الأقسام الأربعة، وثبت أن قوام المعيشة ليس إلا بهذه الأربعة ثبت أن الكعبة سبب لقوام الناس. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ٨٣ ـ ٨٤﴾
وقال الثعلبى :
﴿ قِيَاماً لِّلنَّاسِ ﴾ أي قواماً لهم في أمر دينهم ودنياهم وصلاحاً لمعاشهم ومعادهم لما يحصل لهم من الحج والعمرة والزيارة والتجارة وما يجبى إليه من الثمرات ويظهر فيه من أنواع البركات.
فقال ابن جبير : من أتى هذا البيت يريد شيئاً للدنيا والآخرة أصابه.
﴿ والشهر الحرام ﴾ أراد به الأشهر الحرم يأمن فيها الناس. أ هـ ﴿الكشف والبيان حـ ٤ صـ ﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ قِيَاماً لِّلنَّاسِ ﴾ أي صلاحاً ومعاشاً، لأمن الناس بها ؛ وعلى هذا يكون "قِيَاماً" بمعنى يقومون بها.
وقيل :"قِيَاماً" أي يقومون بشرائعها.


الصفحة التالية
Icon