واعلم أن السؤال عن الأشياء ربما يؤدي إلى ظهور أحوال مكتومة يكره ظهورها وربما ترتبت عليه تكاليف شاقة صعبة فالأولى بالعاقل أن يسكت عما لا تكليف عليه فيه، ألا ترى أن الذي سأل عن أبيه فإنه لم يأمن أن يلحقه الرسول عليه الصلاة والسلام بغير أبيه فيفتضح، وأما السائل عن الحج فقد كاد أن يكون ممن قال النبي ﷺ فيه :" إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من كان سبباً لتحريم حلال " إذ لم يؤمن أن يقول في الحج إيجاب في كل عاموكان عبيد بن عمير يقول : إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك بين ذلك أشياء لم يحللها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله تعالى، ثم يتلو هذه الآية وقال أبو ثعلبة الخشني : إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وحدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ٨٨﴾
وقال الثعلبى :
﴿ يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ ﴾ الآية
اختلفوا في نزولها، فروى الزهري وقتادة عن أنس وأبو صالح عن أبي هريرة قالا :" سأل الناس رسول اللّه ﷺ حتى ألحّوا بالمسألة فقام مغضباً خطيباً وقال : سلوني فواللّه لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا لآتيته لكم، فأشفق أصحاب رسول اللّه ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد مضى، قال أنس : فجعلت لا ألتفت يميناً ولا شمالاً إلاّ وجدت رجلاً لافاً رأسه في ثوبه يبكي، فقام إليه رجل من قريش من بني تميم يقال له عبد اللّه بن حذافة : وكان يطعن في نسبه وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال : يا نبي اللّه من أبي؟ قال : أبو حذافة بن قيس ". قال الزهري : فقالت أم عبد اللّه بن حذافة : ما رأيت ولداً بأعق منك قط أكنت تأمن أن تكون أمك قد فارقت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤس الناس.


الصفحة التالية
Icon