قال القاضي أبو محمد : وقال على هذا التأويل بمعنى يقول. ونزل الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته، وقوله آخراً ﴿ وإن تغفر لهم ﴾ [ المائدة : ١١٨ ] معناه إن عذبت العالم كله فبحقك وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك، فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي عنهم مع علمه بأنهم كفرة قد حتم عليهم العذاب، وليس المعنى أنه لا بد من أن تفعل أحد هذين الأمرين. بل قال هذا القول مع علمه بأن الله لا يغفر أن يشرك به. وفائدة هذا التوقيف على قول من قال إنه في يوم القيامة ظهور الذنب على الكفرة في عبادة عيسى وهو توقيف له يتقرر منه بيان ضلال الضالين.
وسبحانك معناه تنزيهاً لك عن أن يقال هذا وينطق به، وقوله ﴿ ما يكون لي أن أقول ﴾.... الآية. بقي يعضده دليل العقل، فهذا ممتنع عقلاً أن يكون لبشر محدث أن يدعي الألوهية وقد تجيء هذه الصيغة فيما لا ينبغي ولا يحسن مع إمكانه، ومنه قول الصديق رضي الله عنه : ما كان لابن قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ، ثم قال ﴿ إن كنت قلته فقد علمته ﴾ فوفق الله عيسى عليه السلام لهذه الحجة البالغة. أ هـ ﴿المحرر الوجيز حـ ٢ صـ ﴾
وقال القرطبى :
واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس هو باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين : أحدهما أنه سأله عن ذلك توبيخاً لمن ادعى ذلك عليه ليكون إنكاره بعد السؤال أبلغ في التكذيب، وأشد في التوبيخ والتقريع.
الثاني قصد بهذا السؤال تعريفه أن قومه غَيَّروا بعده، وادعوا عليه ما لم يقله.
فإن قيل : فالنصارى لم يتخذوا مريم إلهاً فكيف قال ذلك فيهم؟ فقيل : لما كان من قولهم أنها لم تلد بشراً وإنما ولدت إلهاً لزمهم أن يقولوا إنها لأجل البعضية بمثابة من ولدته، فصاروا حين لزمهم ذلك بمثابة القائلين له.


الصفحة التالية
Icon