والجواب : عن السؤال الثاني أن الإله هو الخالق والنصارى يعتقدون أن خالق المعجزات التي ظهرت على يد عيسى ومريم هو عيسى عليه السلام ومريم والله تعالى ما خلقها ألبتة وإذا كان كذلك فالنصارى قد قالوا إن خالق تلك المعجزات هو عيسى ومريم والله تعالى ليس خالقها، فصح أنهم أثبتوا في حق بعض الأشياء كون عيسى ومريم إلهين له مع أن الله تعالى ليس إلهاً له فصح بهذا التأويل هذه الحكاية والرواية.
ثم قال تعالى :﴿سبحانك مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقّ﴾ أما قوله ﴿سبحانك﴾ فقد فسرناه في قوله ﴿سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا﴾ [ البقرة : ٣٢ ].
واعلم أن الله تعالى لما سأل عيسى أنك هل قلت كذا لم يقل عيسى بأني قلت أو ما قلت بل قال ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وهذا ليس بحق ينتج أنه ما يكون لي أن أقول هذا الكلام ولما بيّن أنه ليس له أن يقول هذا الكلام شرع في بيان أنه هل وقع هذا القول منه أم لا فلم يقل بأني ما قلت هذا الكلام لأن هذا يجري مجرى دعوى الطهارة والنزاهة، والمقام مقام الخضوع والتواضع، ولم يقل بأني قلته بل فوض ذلك إلى علمه المحيط بالكل.
فقال :﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل والمسكنة في حضرة الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الحق سبحانه. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ١١١ ـ ١١٢﴾
وقال الماوردى :
قوله عز وجل :﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ... ﴾ الآية. ﴿ إِذْ ﴾ ها هنا بمعنى ( إذا ) كما قال أبو النجم :
ثم جزاك الله عني إذ جزى... جنات عدن في السموات العلا
يعني إذا جزى، فأقام الماضي مقام المستقبل وهذا جائز في اللغة كما قال تعالى :﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ﴾ [ الأعراف : ٤٤ ].
واختلف أهل التأويل في معنى هذا السؤال وليس باستفهام وإن خرج مخرج الاستفهام على قولين :


الصفحة التالية
Icon