ذَلِكَ كُلِّهِ بِاللَّعْنِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ، وَبِالْغَضَبِ وَالْمَسْخِ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ فِي زَمَنِ الْبَعْثَةِ وَقَبْلَهُ تُثْبِتُهَا تَوَارِيخُهُمْ وَتَوَارِيخُ غَيْرِهِمْ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عَامَّةً فِيهِمْ وَلَا شَامِلَةً لِجَمِيعِ أَفْرَادِهِمْ، فَقَدْ أَنْصَفَهُمُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا بِالْحُكْمِ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْهُمْ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِمْ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ :(مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (٥ : ٦٦) وَبَيَّنَّا فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ مَا كَانَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُسَاعَدَةِ الْيَهُودِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ لِعَدْلِهِمْ فِيهِمُ عَلَى النَّصَارَى الظَّالِمِينَ لَهُمْ.
وَمِمَّا جَاءَ فِي النَّصَارَى خَاصَّةً أَنَّهُمْ نَسُوا كَالْيَهُودِ حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَأَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَقَالُوا : إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ بِالْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ، وَبِبَرَاءَةِ الْمَسِيحِ مِنْهَا وَمِنْ مُنْتَحِلِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ حَقِيقَةَ الْمَسِيحِ وَأَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَرَوْحٌ مِنْهُ، وَمَا أَيَّدَهُ بِهِ مِنَ الْآيَاتِ، وَحَالَ حَوَارِيِّيهِ وَتَلَامِيذِهِ فِي الْإِيمَانِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (٥ : ٨٢) فَلْيُرَاجَعْ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْجُزْءِ السَّابِعِ.