النوع الثاني: اختيار كوني قدري لا يسخطه الرب كالمصائب التي يبتلى الله بها عبده فهذا لا يضره فراره منها إلى القدر الذي يرفعها عنه ويدفعها ويكشفها وليس في ذلك منازعة للربوبية وإن كان فيه منازعة للقدر بالقدر فهذا يكون تارة واجبا وتارة يكون مستحبا وتارة يكون مباحا مستوى الطرفين وتارة يكون مكروها وتارة يكون حراما وأما القدر الذي لا يحبه ولا يرضاه مثل قدر المعائب والذنوب فالعبد مأمور بسخطها ومنهي عن الرضى بها
وهذا هو التفصيل الواجب في الرضى بالقضاء وقد اضطرب الناس في ذلك اضطرابا عظيما ونجا منه أصحاب الفرق والتفصيل فإن لفظ الرضى بالقضاء لفظ محمود مأمور به وهو من مقامات الصديقين فصارت له حرمة أوجبت لطائفة قبوله من غير تفصيل وظنوا أن كل ما كان مخلوقا للرب تعالى فهو مقضى مرضي مخلوقا له ينبغي له الرضى به ثم انقسموا على فرقتين فقالت فرقة: إذا كان القضاء والرضى متلازمين فمعلوم أنا مأمورون ببغض المعاصي والكفر والظلم فلا تكون مقضية مقدرة وفرقة قالت: قد دل العقل والشرع على أنها واقعة بقضاء الله وقدره فنحن نرضى بها
والطائفتان منحرفتان جائرتان عن قصد السبيل فأولئك أخرجوها عن قضاء الرب وقدره وهؤلاء رضوا بها ولم يسخطوها هؤلاء خالفوا الرب تعالى في رضاه وسخطه وخرجوا عن شرعه ودينه وأولئك أنكروا تعلق قضائه وقدره بها واختلفت طرق أهل الإثبات للقدر والشرع في جواب الطائفتين فقالت طائفة: لم يقم دليل من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع على جواز


الصفحة التالية
Icon