ومتى خالط القلب بشاشة الإيمان واكتحلت بصيرته بحقيقة اليقين وحيى بروح الوحي وتمهدت طبيعته وانقلبت النفس الأمارة مطمئنة راضية وادعة وتلقى أحكام الرب تعالى بصدر واسع منشرح مسلم: فقد رضي كل الرضى بهذا القضاء الديني المحبوب لله ولرسوله والرضى بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه من الصحة والغنى والعافية واللذة أمر لازم بمقتضى الطبيعة لأنه ملائم للعبد محبوب له فليس في الرضى به عبودية بل العبودية في مقابلته بالشكر والاعتراف بالمنة ووضع النعمة مواضعها التى يحب الله أن توضع فيها وأن لا يعصى المنعم بها وأن يرى التقصير في جميع ذلك والرضى بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته مما لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره مستحب وهو من مقامات أهل الإيمان وفي وجوبه قولان وهذا كالمرض والفقر وأذى الخلق له والحر والبرد والآلام ونحو ذلك والرضى بالقدر الجاري عليه باختياره مما يكرهه الله ويسخطه وينهى عنه كأنواع الظلم والفسوق والعصيان: حرام يعاقب عليه وهو مخالفة لربه تعالى فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه فكيف تتفق المحبة ورضى ما يسخطه الحبيب ويبغضه فعليك بهذا التفصيل في مسألة الرضى بالقضاء فإن قلت: كيف يريد الله سبحانه أمرا لا يرضاه ولا يحبه وكيف يشاؤه ويكونه وكيف تجتمع إرادة الله له وبغضه وكراهيته قيل: هذا السؤال هو الذي افترق الناس لأجله فرقا وتباينت عنده طرقهم وأقوالهم فاعلم أن المراد نوعان: مراد لنفسه ومراد لغيره:


الصفحة التالية
Icon