بالغنى وكان في حال القلة أعظم شكرا من حال الكثرة وهذه كانت حال السلف فالعاقل الراضي: من يعد البلاء عافية والمنع نعمة والفقر غنى وأوحى الله إلى بعض أنبيائه: إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته فالراضي: هو الذي يعد نعم الله عليه فيما يكرهه أكثر وأعظم من نعمه عليه فيما يحبه كما قال بعض العارفين: يا ابن آدم نعمة الله عليك فيما تكره أعظم من نعمته عليك فيما تحب وقد قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [ البقرة: ٢١٦ ] وقد قال بعض العارفين: ارض عن الله في جميع ما يفعله بك فإنه ما منعك إلا ليعطيك ولا ابتلاك إلا ليعافيك ولا أمرضك إلا نيشفيك ولا أماتك إلا ليحييك فإياك أن تفارق الرضى عنه طرفة عين فتسقط من عينه الثالث والأربعون: أن يعلم أنه سبحانه هو الأول قبل كل شيء والآخر بعد كل شيء والمظهر لكل شيء والمالك لكل شيء وهو الذي يخلق ما يشاء ويختار وليس للعبد أن يختار عليه وليس لأحد معه اختيار ولا يشرك في حكمه أحدا والعبد لم يكن شيئا مذكورا فهو سبحانه الذي اختار وجوده واختار أن يكون كما قدره له وقضاه: من عافية وبلاء وغنى وفقر وعز وذل ونباهة وخمول فكما تفرد سبحانه بالخلق تفرد بالاختيار والتدبير وليس للعبد شيء من ذلك فإن الأمر كله لله وقد قال تعالى لنبيه:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فإذا تيقن العبد أن الأمر كله لله وليس له من الأمر قليل ولا كثير لم يكن له معول بعد ذلك غير الرضى بمواقع الأقدار وما يجري به من ربه الاختيار