فإذا اجتمعت بصيرة العبد على مشاهد القدر والتوحيد والحكمة والعدل: انسد عنه باب خصومة الخلق إلا فيما كان حقا لله ورسوله فالراضي لا يخاصم ولا يعاتب إلا فيما يتعلق بحق الله وهذه كانت حال رسول الله ﷺ فإنه لم يكن يخاصم أحدا ولا يعاتبه إلا فيما يتعلق بحق الله كما أنه كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله فالمخاصمة لحظ النفس تطفىء نور الرضى وتذهب بهجته وتبدل بالمرارة حلاوته وتكدر صفوه قال:
الشرط الثالث: الخلاص من المسألة للخلق والإلحاح وذلك: لأن المسألة: فيها ضرب من الخصومة والمنازعة والمحاربة والرجوع عن مالك الضر والنفع إلى من لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا بربه وفيها الغيبة عن المعطي المانع والإلحاح ينافي حال الرضى ووصفه وقد أثنى الله سبحانه على الذين لا يسألون الناس إلحافا فقال تعالى ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [ البقرة: ٢٧٣ ] فقالت طائفة: يسألون الناس ما تدعو حاجتهم إلى سؤاله ولكن لا يلحفون فنفى الله عنهم سؤال الإلحاف لا مطلق السؤال قال ابن عباس: إذا كان عنده غداء لم يسأل عشاء وإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء وقالت طائفة منهم الزجاج والفراء وغيرهما: بل الآية اقتضت ترك السؤال مطلقا لأنهم وصفوا بالتعفف والمعرفة بسيماهم دون الإفصاح بالمسألة لأنهم لو أفصحوا بالسؤال لم يحسبهم الجاهل أغنياء ثم اختلفوا في وجه قوله تعالى: ﴿لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً﴾ [ البقرة: ٢٧٣ ]