ربه عن رضاه هو وعن ربه في أقضيته وأقداره وغاب بصفات ربه عن صفاته وبأفعاله عن أفعاله فتلاشي وجوده وصفاته وأفعاله في جنب وجود ربه وصفاته بحيث صار كالعدم المحض وفي هذا المقام لا يرى لنفسه رضى ولا سخطا فيوجب له هذا الفناء: ترك التحكم على الله بأمر من الأمور وترك التخير عليه فتذهب مادة التحكم وتفنى وتنحسم مادة الاختيار وتتلاشى وعند ذلك يسقط تمييز العبد ويتلاشى هذا تقدير كلامه وبعد فههنا أمران: أحدهما: أن هذا حال يعرض لا مقام يطلب ويشمر إليه فإن هذه الحال متى عرضت له وارت عنه تمييزه ولا يمكن أن يدوم له ذلك بل يقصر زمنه ويطول ثم يرجع إلى تمييزه وعقله وصاحب هذه الحال مغلوب: إما سكران بحاله وإما فان عن وجوده والكمال وراء ذلك وهو أن يكون فانيا عن إرادته بإرادة ربه منه فيكون باقيا بوجود آخر غير وجوده الطبيعي وهو وجود مطهر كائن بالله ولله ومع الله وصاحب هذا في مقام: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش قد فني عن وجوده الطبيعي والنفسي وبقي بهذا الوجود العلوي القدسي فيعود عليه تمييزه وفرقانه ورضاه عن ربه تعالى ومقامات إيمانه وهذا أكمل وأعلى من فنائه عنها كالسكران فإن قلت: فهل يمكن وصوله إلى هذا المقام من غير درب الفناء وعبوره إليه على غير جسره
قلت: اختلف في ذلك فطائفة ظنت أنه لا يصل إلى البقاء وإلى هذا الوجود المطهر إلا بعد عبوره على جسر الفناء فعدوه لازما من لوازم السير إلى الله وقالت طائفة: بل يمكن الوصول إلى البقاء على غير درب الفناء والفناء عندهم عارض من عوارض الطريق لا لازم وسببه: قوة الوارد وضعف المحل واستجلابه بتعاطي أسبابه


الصفحة التالية
Icon