وقال قوم : كان يحصل التلبيس لاعتقادهم أن الملائكة إناث فلو رأوه في صورة رجل حصل التلبيس عليهم كما حصل منهم التلبيس على غيرهم.
وقال قوم منهم الضحاك : الآية نزلت في اليهود والنصارى في دينهم وكتبهم حرفوها وكذبوا رسلهم، فالمعنى في اللبس زدناهم ضلالاً على ضلالهم.
وقال ابن عباس : لبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم بتحريف الكلام عن مواضعه، و﴿ ما ﴾ مصدرية وأضاف اللبس إليه تعالى على جهة الخلق، وإليهم على جهة الاكتساب.
وقرأ ابن محيصن : ولبسنا بلام واحدة والزهري ﴿ وللبسنا ﴾ بتشديد الباء. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ ٤ صـ ﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً ﴾ أي لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلاَّ بعد التجسم بالأجسام الكثيفة ؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه وينفر من غير جنسه ؛ فلو جعل الله تعالى الرسول إلى البشر ملكاً لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به، ولداخلهم من الرعب من كلامه والإتقاء له ما يَكفُّهم عن كلامه، ويمنعهم عن سؤاله، فلا تَعمّ المصلحة ؛ ولو نقله عن صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به وليسكنوا إليه لقالوا : لست ملكاً وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك وعادوا إلى مثل حالهم.
وكانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة البشر فأتوا إبراهيم ولوطاً في صورة الآدميين، وأتى جبرائيل النبيّ عليهما الصَّلاة والسَّلام في صورة دِحْية الكَلْبيّ.
أي لو نزل ملك لرَأوه في صورة رجل كما جرت عادة الأنبياء، ولو نزل على عادته لم يروه ؛ فإذا جعلناه رجلاً التبس عليهم فكانوا يقولون : هذا ساحر مثلك.