وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ "كم" في موضع نصب بأهلكنا لا بقوله :"أَلَمْ يَرَوْا" لأن لفظ الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله، وإنما يعمل فيه ما بعده ؛ من أجل أن له صدر الكلام.
والمعنى ألاَ يعتبرون بمن أهلكنا من الأُمم قبلهم لتكذيبهم أنبياءهم ؛ أي ألم يَعْرفوا ذلك.
والقَرْن الأُمَّةُ من الناس، والجمع القرون ؛ قال الشاعر :
إذا ذَهَبَ القرنُ الذي كنتَ فيهم...
وخُلِّفتَ في قَرْنٍ فأنت غرِيبُ
فالقَرْن كل عالَم في عصره ؛ مأخوذ من الاقتران، أي عالَم مقترن بعضهم إلى بعض ؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ قال :" خير الناس قَرْني يعني أصحابي ثم الذين يَلُونهم ثم الذين يَلُونهم " هذا أصح ما قيل فيه.
وقيل : المعنى من أهل قَرْن فحذف، كقوله :﴿ واسأل القرية ﴾.
فالقَرْن على هذا مدة من الزمان ؛ قيل : ستون عاماً، وقيل : سبعون، وقيل : ثمانون ؛ وقيل : مائة ؛ وعليه أكثر أصحاب الحديث أن القَرْن مائة سنة ؛ واحتجوا بأن النبي ﷺ قال لعبد الله بن بُسْر :"تَعيشُ قَرْناً" فعاش مائة سنة ؛ ذكره النحاس.
وأصل القرن الشيء الطالع كقَرْن ماله قَرْن من الحيوان.
﴿ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ﴾ خروج من الغيبة إلى الخطاب ؛ عكسه ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ﴾ [ يونس : ٢٢ ].
وقال أهل البصرة.
أخبر عنهم بقوله :"أَلَمْ يَرَوْا" وفيهم محمد عليه السلام وأصحابه ؛ ثم خاطبهم معهم ؛ والعرب تقول : قلت لعبد الله ما أكرمه : وقلت لعبد الله ما أكرمك ؛ ولو جاء على ما تقدّم من الغيبة لقال : ما لم نمكن لهم.
ويجوز مكّنه ومكّن له ؛ فجاء باللغتين جميعاً ؛ أي أعطيناهم ما لم نعطكم من الدنيا.
﴿ وَأَرْسَلْنَا السمآء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً ﴾ يريد المطر الكثير ؛ عبر عنه بالسماء لأنه من السماء ينزِل ؛ ومنه قول الشاعر :
إذَا سَقَطَ السَّمَاءُ بأرضِ قَوْمٍ...
و"مِدْرَاراً" بناء دالٌّ على التكثير ؛ كمِذكار للمرأة التي كثرت ولادتها للذكور ؛ ومئناث للمرأة التي تلد الإناث ؛ يُقال : درَّ اللّبنُ يدرُّ إذا أقبل على الحالب بكثرة.
وانتصب "مِدْرَاراً" على الحال.