﴿ وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ ﴾ أي من تحت أشجارهم ومنازلهم ؛ ومنه قول فرعون :﴿ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي ﴾ [ الزخرف : ٥١ ] والمعنى : وسعنا عليهم النعم فكفروها.
﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي بكفرهم فالذنوب سبب الإنتقام وزوال النعم.
﴿ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ﴾ أي أوجدنا ؛ فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضاً. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٦ صـ ﴾
وقال أبو حيان :
﴿ ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ﴾
لما هددهم وأوعدهم على إعراضهم وتكذيبهم واستهزائهم، أتبع ذلك بما يجري مجرى الموعظة والنصيحة، وحض على الاعتبار بالقرون الماضية و﴿ يروا ﴾ هنا بمعنى يعلموا، لأنهم لم يبصروا هلاك القرون السالفة و﴿ كم ﴾ في موضع المفعول ب ﴿ أَهْلَكْنَا ﴾ و﴿ يروا ﴾ معلقة والجملة في موضع مفعولها، و﴿ من ﴾ الأولى لابتداء الغاية و﴿ من ﴾ الثانية للتبعيض، والمفرد بعدها واقع موقع الجمع ووهم الحوفي في جعله ﴿ من ﴾ الثانية بدلاً من الأولى وظاهر الإهلاك أنه حقيقة، كما أهلك قوم نوح وعاداً وثمود غيرهم ويحتمل أن يكون معنوياً بالمسخ قردة وخنازير، والضمير في ﴿ يروا ﴾ عائد على من سبق من المكذبين المستهزئين و﴿ لكم ﴾ خطاب لهم فهو التفات، والمعنى أن القرون المهلكة أعطوا من البسطة في الدنيا والسعة في الأموال ما لم يعط هؤلاء الذين حضوا على الاعتبار بالأمم السالفة وما جرى لهم، وفي هذا الالتفات تعريض بقلة تمكين هؤلاء ونقصهم عن أحوال من سبق، ومع تمكين أولئك في الأرض فقد حل بهم الهلاك، فكيف لا يحل بكم على قلتكم وضيق خطتكم؟ فالهلاك إليكم أسرع من الهلاك إليهم.


الصفحة التالية
Icon