ولما كان الأمر بالإسلام نهياً عن الشرك، لم يكتف به، بل صرح به جمعاً بين الأمر والنهي من هذا الرب الكريم الذي يدعو إحسانه وكرمه إلى ولايته، وينهى تمام ملكه وجبروته عن شيء من عداوته، في قوله عطفاً على ﴿قل﴾ على وجه التأكيد :﴿ولا تكونن﴾ أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات أصلاً ﴿من المشركين﴾ أي في عدادهم باتباعهم في شيء من أغراضهم، وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه ﷺ في سؤالهم أن يطرد بعض أتباعه ليوالوه، ونحو ذلك مما كانوا يرجون مقاربته منهم به، إعلاماً بأن فعل شيء مما يريدون مصحح للنسبة إليهم والكون في عدادهم " من تشبه بقوم فهو منهم ". أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ٥٩٦ ـ ٥٩٧﴾

فصل


قال الفخر :
اعلم أنه فرق بين أن يقال ﴿أغير الله أتخذ ولياً﴾ وبين أن يقال : أتخذ غير الله ولياً لأن الإنكار إنما حصل على اتخاذ غير الله ولياً، لا على اتخاذ الولي، وقد عرفت أنهم يقدمون الأهم فالأهم الذي هم بشأنه أعنى فكأن قوله ﴿قل أغير الله أتخذ ولياً﴾ أولى من العبارة الثانية، ونظيره قوله تعالى :﴿أفغير الله تأمروني أعبد﴾ [ الزمر : ٦٤ ] وقوله تعالى :﴿الله أذن لكم﴾ [ يونس : ٥٩ ].
ثم قال ﴿فاطر السماوات والأرض﴾
وقريء ﴿فاطر السماوات﴾ بالجر صفة الله وبالرفع على إضمار " هو " والنصب على المدح.
وقرأ الزهري ﴿فطر السماوات﴾ وعن ابن عباس : ما عرفت ﴿فاطر السماوات﴾ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدأتها وقال ابن الأنباري : أصل الفطر شق الشيء عند ابتدائه، فقوله ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ يريد خالقهما ومنشئهما بالتركيب الذي سبيله أن يحصل فيه الشق والتأليف عند ضم الأشياء إلى بعض، فلما كان الأصل الشق جاز أن يكون في حال شق إصلاح وفي حال أخرى شق إفساد.
ففاطر السماوات من الإصلاح لا غير.
وقوله ﴿هل ترى من فطور﴾ [ الملك : ٣ ] و﴿إذا السماء انفطرت﴾ [ الإنفطار : ١ ] من الإفساد، وأصلهما واحد. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ١٣٩ ـ ١٤٠﴾
وقال الثعلبى :
﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً ﴾ رباً معبوداً وناصراً ومعيناً ﴿ فَاطِرِ السماوات والأرض ﴾ أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج.
قال مجاهد : سمعت ابن عباس يقول : كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه : أنا فطرتها، أنا أحدثتها. أ هـ ﴿الكشف والبيان حـ ٤ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon