وقال الماوردى :
﴿ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : أنهم خسروا بالكفر منازلهم وأزواجهم في الجنة، لأنه ليس أحد من مؤمن ولا كافر إلا وله منازل وأزواج، فإن أسلموا كانت لهم، وإن كفروا كانت لمن آمن من أهلهم، وهو معنى قوله تعالى :﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ المؤمنون : ١١ ]، قاله الفراء.
والثاني : معناه غبنوها فأهلكوها بالكفر والتكذيب، ومنه قول الأعشى :
لا يأخذ الرِّشْوَة في حُكْمِهِ... ولا يُبالي خُسْرَ الخاسر. أ هـ ﴿النكت والعيون حـ ٢ صـ ﴾
وقال ابن عطية :
﴿ الذين ﴾ رفع بالابتداء وخبره ﴿ يعرفونه ﴾ و﴿ الكتاب ﴾ معناه التوراة والإنجيل وهو لفظ مفرد يدل علىلجنس، والضمير في ﴿ يعرفونه ﴾ عائد في بعض الأقوال على التوحيد لقرب قوله :﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ [ الأنعام : ١٩ ] وهذا استشهاد في ذلك على كفرة قريش والعرب بأهل الكتاب، و﴿ الذين خسروا ﴾ على هذا التأويل منقطع مرفوع بالابتداء وليس من صفة ﴿ الذين ﴾ الأولى، لأنه لا يصح أن يستشهد بأهل الكتاب ويذمون في آية واحدة.
قال القاضي أبو محمد : وقد يصح ذلك لاختلاف ما استشهد فيه بهم وما ذموا فيه، وأن الذم والاستشهاد ليس من جهة واحدة، وقال قتادة والسدي وابن جريج : الضمير عائد في ﴿ يعرفونه ﴾ على محمد عليه السلام ورسالته، وذلك على ما في قوله :﴿ وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم ﴾ [ الأنعام : ١٩ ] فكأنه قال وأهل الكتاب يعرفون ذلك من إنذاري والوحي إليَّ، وتأول هذا التأويل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يدل على ذلك قوله لعبد الله بن سلام إن الله أنزل على نبيه بمكة أنكم تعرفون أبناءكم فكيف هذه المعرفة فقال عبد الله بن سلام نعم أعرفه الصفة التي وصفه الله في التوراة فلا أشك فيه، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه.


الصفحة التالية
Icon