وقوله تعالى :﴿ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ كناية عن التبري عن الشرك وانتفاء التدين به أي ثم لم يكن عاقبة شركهم شيئاً إلا تبرئهم منه، ونص الزجاج أن مثل ما في الآية أن ترى إنساناً يحب غاوياً فإذا وقع في مهلكة تبرأ منه فيقال له : ما كان محبتك لفلان إلا أن تبرأت منه وليس ذلك من قبيل عتابك السيف ولا من تقدير المضاف وإن صح ذلك فيه وهو معنى حسن لطيف لا يعرفه إلا من عرف كلام العرب، وقيل : المراد بها العذر واستعملت فيه لأنها على ما تقدم التخليص من الغش والعذر يخلص من الذنب فاستعيرت له.
وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً وأبي عبد الله وقتادة ومحمد بن كعب رضي الله تعالى عنهم، وقيل : الجواب بما هو كذب.
ووجه الإطلاق أنه سبب الفتنة فتجوز بها عنه إطلاقاً للمسبب على السبب، ويحتمل أن يكون هناك إستعارة لأن الجواب مخلص لهم أيضاً كالمعذرة.
قيل : والحصر على هذين القولين حقيقي والجملة القسمية على ظاهرها. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٧ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
وقوله :﴿ ثم لم تكن فتنتهم ﴾ عطف على جملة ﴿ ثم نقول ﴾ و( ثم ) للترتيب الرتبي وهو الانتقال من خبر إلى خبر أعظم منه.
والفتنة أصلها الاختبار، من قولهم : فتنَ الذهَب إذا اختبر خلوصه من الغلْث.
وتطلق على اضطراب الرأي من حصول خوف لا يصبر على مثله، لأنّ مثل ذلك يدلّ على مقدار ثبات من يناله، فقد يكون ذلك في حالة العيش ؛ وقد يكون في البغض والحبّ ؛ وقد يكون في الاعتقاد والتفكير وارتباك الأمور.
وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى :﴿ إنّما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ في سورة [ البقرة : ١٠٢ ].
﴿ وفتنتهم ﴾ هنا استثني منها ﴿ أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين ﴾، فذلك القول إمّا أن يكون من نوع ما استثني هو منه المحذوف في تفريغ الاستثناء، فيكون المستثنى منه من الأقوال الموصوفة بأنّها فتنة.