والثاني : أن المنادى هو نفس الحسرة على معنى : أن هذا وقتك فاحضري وهو قول سيبويه وقوله ﴿على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ فيه بحثان.
البحث الأول : قال أبو عبيدة يقال : فرطت في الشيء أي ضيعته فقوله ﴿فَرَّطْنَا﴾ أي تركنا وضيعنا وقال الزجاج : فرطنا أي قدمنا العجز جعله من قولهم فرط فلان إذا سبق وتقدم، وفرط الشيء إذا قدمه.
قال الواحدي : فالتفريط عنده تقديم التقصير.
والبحث الثاني : أن الضمير في قوله ﴿فِيهَا﴾ إلى ماذا يعود فيه وجوه : الأول : قال ابن عباس في الدنيا والسؤال عليه أنه لم يجر للدنيا ذكر فكيف يمكن عود هذا الضمير إليها.
وجوابه : أن العقل دل على أن موضع التقصير ليس إلا الدنيا، فحسن عود الضمير إليها لهذا المعنى.
الثاني : قال الحسن المراد يا حسرتنا على ما فرطنا في الساعة، والمعنى : على ما فرطنا في إعداد الزاد للساعة وتحصيل الأهبة لها.
والثالث : أن تعود الكناية إلى معنى ما في قوله ﴿مَّا فَرَّطْنَا﴾ أي حسرتنا على الأعمال والطاعات التي فرطنا فيها.
والرابع : قال محمد بن جرير الطبري : الكناية تعود إلى الصفقة لأنه تعالى لما ذكر الخسران دل ذلك على حصول الصفقة والمبايعة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ١٦٣ ـ ١٦٤﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله ﴾ قيل : بالبعث بعد الموت وبالجزاء ؛ دليله قوله عليه السَّلام :" مَن حَلَف على يمين كاذبة ليقتَطعَ بها مال امرىء مسلم لقي اللَّهَ وهو عليه غضبان " أي لقي جزاءه ؛ لأن من غضب عليه لا يرى الله عند مثبتي الرؤية، ذهب إلى هذا القَفَّال وغيره ؛ قال القُشَيْريّ : وهذا ليس بشيء ؛ لأن حمل اللقاء في موضع على الجزاء لدليلٍ قائم لا يوجب هذا التأويل في كل موضع، فليحمل اللقاء على ظاهره في هذه الآية ؛ والكفار كانوا ينكرون الصانع، ومنكر الرؤية منكر للوجود!.