واعلم أن هذه الوجوه التي تكلفها هؤلاء الأقوام إنما يحسن المصير إليها لو ثبت في العقل أنه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره.
وأما لما ثبت بالدليل العقلي القاطع أنه لا يمكن حمل هذا الكلام إلا على ظاهره كان العدول إلى هذه الوجوه المتكلفة بعيداً جداً، وقد دللنا على أن الفعل لا يحصل إلا عند حصول الداعي، وبينا أن خالق ذلك الداعي هو الله، وبينا أن عند حصوله يجب الفعل، فهذه المقدمات الثلاثة توجب القطع بأن الكفر والإيمان من الله، وبتخليقه وتقديره وتكوينه، ومتى ثبت بهذا البرهان القاطع صحة هذا الظاهر، كان الذهاب إلى هذه التكلفات فاسداً قطعاً، وأيضاً فقد تتبعنا هذه الوجوه بالابطال والنقض في تفسير قوله ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ﴾ [ البقرة : ٧ ] وفي سائر الآيات، فلا حاجة إلى الإعادة، وأقربها أن هذا الإضلال والهداية معلقان بالمشيئة، وعلى ما قالوه : فهو أمر واجب على الله تعالى يجب عليه أن يفعله شاء أم أبى والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ١٨٢ ـ ١٨٣﴾
فائدة
قال الفخر :
قوله :﴿والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا﴾ اختلفوا في المراد بتلك الآيات، فمنهم من قال : القرآن ومحمد، ومنهم من قال : يتناول جميع الدلائل والحجج، وهذا هو الأصح. والله أعلم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ١٨٣﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ والذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ ﴾ ابتداء وخبر، أي عدِموا الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم ؛ فكل أُمة من الدواب وغيرها تهتدي لمصالحها والكفار لا يهتدون ؛ وقد تقدّم في "البقرة".
﴿ فِي الظلمات ﴾ أي ظلمات الكفر.
وقال أبو علي : يجوز أن يكون المعنى "صم وبكم" في الآخرة ؛ فيكون حقيقة دون مجاز اللغة.