﴿ مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ ﴾ دلّ على أنه شاء ضلال الكافر وأراده لينفذ فيه عدله ؛ ألا ترى أنه قال :﴿ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي على دين الإسلام لينفذ فيه فضله.
وفيه إبطال لمذهب القَدَرية.
والمشيئة راجعة إلى الذين كذبوا، فمنهم من يضله ومنهم من يهديه. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٦ صـ ﴾
وقال أبو حيان :
﴿ والذين كذبوا بآياتنا صمّ وبكم في الظلمات ﴾ قال النقاش : نزلت في بني عبد الدار ثم انسحبت على سواهم ؛ انتهى.
ومناسبة هذه لما قبلها أنه لما تقدم قوله :﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ أخبر أن المكذبين بالآيات صم لا يسمعون من ينبههم، فلا يستجيب أحد منهم ولما كان قوله :﴿ وما من دابة ﴾ الآية منبهاً على عظيم قدرة الله تعالى ولطيف صنعه وبديع خلقه، ذكر أن المكذب بآياته هو أصم عن سماع الحق أبكم عن النطق به، والآيات هنا القرآن أو ما ظهر على يدي الرسول من المعجزات أو الدلائل والحجج ثلاثة أقوال والإخبار عنهم بقوله :﴿ صم وبكم في الظلمات ﴾ الظاهر أنه استعارة عن عدم الانتفاع الذهني بهذه الحواس لا أنهم ﴿ صم وبكم في الظلمات ﴾ حقيقة وجاء قوله :﴿ في الظلمات ﴾ كناية عن عمي البصيرة، فهو ينظر كقوله :﴿ صم بكم عمي ﴾ لكن قوله :﴿ في الظلمات ﴾ أبلغ من قوله :﴿ عمي ﴾ إذ جعلت ظرفاً لهم وجمعت لاختلاف جهات الكفر، كما قيل في قوله :﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ على أحد الأقوال وفي قوله :﴿ يخرجونهم من النور إلى الظلمات ﴾ وقال الجبائي : الإخبار عنهم بأنهم ﴿ صم وبكم في الظلمات ﴾ حقيقة وذلك يوم القيامة يجعلهم صماً وبكماً في الظلمات يضلهم بذلك عن الجنة ويصيرهم إلى النار، ويعضد هذا التأويل قوله تعالى :﴿ ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم ﴾ الآية.
وقال الكعبيّ :﴿ صم وبكم ﴾ محمول على الشتم والإهانة على أنهم كانوا كذلك في الحقيقة ؛ انتهى.