قال : وإنما هو من باب قولك لغلامك : ما أهانوك ولكن أهانوني وجاء قوله :﴿ ولقد كذبت رسل من قبلك ﴾ تسلية له ﷺ ولما سلاه تعالى بأنهم بتكذيبك إنما كذبوا الله تعالى سلاه ثانياً بأن عادة أتباع الرسل قبلك تكذيب رسلهم، وأن الرسل صبروا فتأسَّ بهم في الصبر، وما في قوله :﴿ ما كذبوا ﴾ مصدرية أي فصبروا على تكذيبهم والمعنى فتأسّ بهم في الصبر على التكذيب والأذى حتى يأتيك النصر والظفر كما أتاهم.
قال ابن عباس :﴿ فصبروا على ما كذبوا ﴾ رجاء ثوابي وأوذوا حتى نشروا بالمناشير وحرقوا بالنار، حتى أتاهم نصرنا بتعذيب من يكذبهم ؛ انتهى.
ويحتمل ﴿ وأوذوا ﴾ أن يكون معطوفاً على قوله :﴿ كذبت ﴾ ويحتمل أن يكون معطوفاً على قوله ﴿ فصبروا ﴾ ويبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ كذبوا ﴾ ويكون التقدير فصبروا على تكذيبهم وإيذائهم، وروي عن ابن عامر أنه قرأ وأذوا بغير واو بعد الهمزة جعله ثلاثياً لا رباعياً من أذيت فلاناً لا من آذيت، وفي قوله :﴿ نصرنا ﴾ التفات إذ قبله بآيات الله وبلاغة هذا الالتفات أنه أضاف النصر إلى الضمير المشعر بالعظمة المتنزل فيه الواحد منزلة الجمع والنصر مصدر أضيف إلى الفاعل والمفعول محذوف أي نصرنا إياهم على مكذبيهم ومؤذيهم، والظاهر أن الغاية هنا الصبر والإيذاء لظاهر عطف ﴿ وأوذوا ﴾ على ﴿ فصبروا ﴾ وإن كان معطوفاً على ﴿ كذبوا ﴾ فتكون الغاية للصبر أو معطوفاً على ﴿ كذبت ﴾ فغاية له وللتكذيب أو للإيذاء فقط.
﴿ ولا مبدل لكلمات الله ﴾ قال ابن عباس : أي لمواعيد الله ولم يذكر الزمخشري غيره قال : لمواعيده من قوله ﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون ﴾ وقال الزجاج لما أخبر به وما أمر به والإخبار والأوامر من كلمات الله، واقتصر ابن عطية على بعض ما قال الزجاج فقال : ولا رادَّ لأوامره.


الصفحة التالية
Icon