فصل


قال الفخر :
المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف أتى النبي ﷺ في نفر من قريش، فقالوا : يا محمد ائتنا من عند الله كما كانت الأنبياء تفعل فإنا نصدق بك فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عن رسول الله ﷺ فشق ذلك عليه، فنزلت هذه الآية، والمعنى، وإن كان كبر عليك إعراضهم عن الإيمان بك، وصحة القرآن، فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فافعل.
فالجواب محذوف وحسن هذا الحذف لأنه معلوم في النفوس. (١)
والنفق سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر، ومنه نافقاء اليربوع لأن اليربوع يثقب الأرض إلى القعر، ثم يصعد من ذلك القعر إلى وجه الأرض من جانب آخر، فكأنه ينفق الأرض نفقاً، أي يجعل له منفذاً من جانب آخر.
ومنه أيضاً سمي المنافق منافقاً لأنه يضمر غير ما يظهر كالنافقاء الذي يتخذه اليربوع وأما السلم فهو مشتق من السلامة، وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك، والمقصود من هذا الكلام أن يقطع الرسول طمعه عن إيمانهم، وأن لا يتأذى بسبب إعراضهم عن الإيمان وإقبالهم على الكفر. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ١٧١﴾
_________
(١) تأمل فى مبالغة رسول الله ـ ﷺ ـ وشدة حرصه على هداية القوم لدرجة أنه لو تمكن من فعل هذه الأمور ( شبه المستحيلة ) لبادر إلى فعلها طمعا فى هداية قومه، وتأمل قوله تعالى فى سورة المائدة ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧) ﴾
عندها تتحق أن الآية التى نحن بصددها من أسمى آيات المدح وأرفعه لرسول الله ـ ﷺ ـ كأن الله تعالى يقول له : لقد بلغت واجتهدت فى النصح وما توانيت وما تركت مسلكا لهدايتهم إلا سلكته، وبالغت فى دعوتهم إلى الحق، فلم يهتدوا، ولم يبق إلا المحال، فإن استطعت الوصول إليه فافعل. والله أعلم.


الصفحة التالية
Icon