ولقد عرف الواقع البشري كثيراً من هذه الأمم، التي قص القرآن الكريم على الإنسانية خبر الكثير منها، قبل أن يولد " التاريخ " الذي صنعه الإنسان! فالتاريخ الذي سجله بنو الإنسان حديث المولد، صغير السن، لا يكاد يعي إلا القليل من التاريخ الحقيقي للبشر على ظهر هذه الأرض! وهذا التاريخ الذي صنعه البشر حافل - على قصره - بالأكاذيب والأغاليط ؛ وبالعجز والقصور عن الإحاطة بجميع العوامل المنشئة والمحركة للتاريخ البشري ؛ والتي يكمن بعضها في أغوار النفس، ويتوارى بعضها وراء ستر الغيب، ولا يبدو منها إلا بعضها. وهذا البعض يخطىء البشر في جمعه، ويخطئون في تفسيره، ويخطئون أيضاً في تمييز صحيحه من زائفة - إلا قليلاً - ودعوى أي بشر أنه أحاط بالتاريخ البشري علماً، وأنه يملك تفسيره تفسيراً " علمياً "، وأنه يجزم بحتمياته المقبلة أيضاً.. هي أكبر أكذوبة يمكن أن يدعيها بشر! ومن عجب أن بعضهم يدعيها! والأشد إثارة للعجب أن بعضهم يصدقها! ولو قال ذلك المدعي : إنه يتحدث عن ( توقعات ) لا عن ( حتميات ) لكان ذلك مستساغاً.. ولكن إذا وجد المفتري من المغفلين من يصدقه فلماذا لا يفتري؟!
والله يقول الحق ؛ ويعلم ماذا كان، ولماذا كان. ويقص على عبيده - رحمة منه وفضلاً - جانباً من أسرار سنته وقدره ؛ ليأخذوا حذرهم ويتعظوا ؛ وليدركوا كذلك ما وراء الواقع التاريخي من عوامل كامنة وأسباب ظاهرة ؛ يفسرون بها هذا الواقع التاريخي تفسيراً كاملاً صحيحاً. ومن وراء هذه المعرفة يمكن أن يتوقعوا ما سيكون، استناداً إلى سنة الله التي لا تتبدل.. هذه السنة التي يكشف الله لهم عنها..


الصفحة التالية
Icon