هذا تسلية للرسول ﷺ وإن عادة الأمم مع رسلهم التكذيب والمبالغة في قسوة القلوب حتى هم إذا أخذوا بالبلايا لا يتذللون لله ولا يسألونه كشفها، وهؤلاء الأمم الذين بعث الله تعالى إليهم الرسل أبلغ انحرافاً وأشد شكيمة وأجلد من الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ إذ خاطبهم تعالى بقوله ﴿ قل أرأيتكم ﴾ الآية.
وأخبر أنهم عند الأزمات لا يدعون لكشفها إلا الله تعالى، وفي الكلام حذف التقدير ولقد أرسلنا الرسل إلى أمم من قبلك فكذبوا فأخذناهم وتقدم تفسير البأساء والضراء والترجي هنا بالنسبة إلى البشر أي لو رأى أحد ما حل بهم لرجا تضرعهم وابتهالهم إلى الله في كشفه، والأخذ الإمساك بقوة وبطش وقهر وهو هنا مجاز عن متابعة العقوبة والملازمة والمعنى لعاقبناهم في الدنيا. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ ٤ صـ ﴾
وقال أبو السعود :
وقولُه تعالى :﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا ﴾ كلام مستأنفٌ مَسوقٌ لبيان أن منهم من لا يدعو الله تعالى عند إتيانِ العذاب أيضاً لتماديهم في الغيِّ والضلال لا يتأثرون بالزواجر التكوينية كما لا يتأثرون بالزواجر التنزيلية. وتصديرُه بالجملة القَسَمية لإظهار مزيدِ الاهتمام بمضمونه، ومفعول ( أرسلنا ) محذوف لما أن مقتضى المقام بيانُ حال المرسَل إليهم لا حالِ المرسلين، أي وبالله لقد أرسلنا رسلاً ﴿ إلى أُمَمٍ ﴾ كثيرة ﴿ مِن قَبْلِكَ ﴾ أي كائنة من زمان قبلَ زمانك ﴿ فأخذناهم ﴾ أي فكذبوا رسلهم فأخذناهم ﴿ بالبأساء ﴾ أي بالشدة والفقر ﴿ والضراء ﴾ أي الضرر والآفات وهما صيغتا تأنيثٍ لا مذكر لهما ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ أي لكي يدعُوا الله تعالى في كشفها بالتضرّع والتذلل ويتوبوا إليه من كفرهم ومعاصيهم. أ هـ ﴿تفسير أبى السعود حـ ٣ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon