﴿ ثم ردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ الظاهر عود الضمير على العباد، وجاء عليكم على سبيل الالتفات لما في الخطاب من تقريب الموعظة من السامعين، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿ ردّوا ﴾ على أحدكم على المعنى لأنه لا يريد ب ﴿ أحدكم ﴾ ظاهره من الإفراد إنما معناه الجمع وكأنه قيل : حتى إذا جاءكم الموت، وقرىء ﴿ ردّوا ﴾ بكسر الراء نقل حركة الدال التي أدغمت إلى الراء والراد المحذر من الله أو بالبعث في الآخرة أو الملائكة ردّتهم بالموت إلى الله.
وقيل : الضمير يعود على ﴿ رسلنا ﴾ أي الملائكة يموتون كما يموت بنو آدم ويردّون إلى الله تعالى وعوده على العباد أظهر و﴿ مولاهم ﴾ لفظ عام لأنواع الولاية التي تكون بين الله وبين عبيده من الملك والنصرة والرزق والمحاسبة وغير ذلك، وفي الإضافة إشعار برحمته لهم وظاهر الإخبار بالرد إلى الله أنه يراد به البعث والرجوع إلى حكم الله وجزائه يوم القيامة ويدل عليه آخر الآية.
وقال أبو عبد الله الرازي : صريح الآية يدل على حصول الموت للعبد ورده إلى الله والميت مع كونه ميتاً لا يمكن أن يرد إلى الله بل المردود هو النفس والروح وهنا موت وحياة، فالموت نصيب البدن والحياة نصيب النفس والروح فثبت أن الإنسان ليس إلا النفس والروح وليس عبارة عن مجرد هذه البنية وفي قوله :﴿ ردّوا إلى الله ﴾ إشعار بكون الروح موجودة قبل البدن لأن الرد من هذا العالم إلى حضرة الجلال إنما يكون إذا كانت موجودة قبل التعلق بالبدن ونظيره ﴿ ارجعي إلى ربك ﴾ ﴿ إلى الله مرجعكم جميعاً ﴾ وجاء في الحديث :" خلقت الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ".
وحجة الفلاسفة على كون النفوس غير موجودة قبل وجود البدن ضعيفة وبينا ضعفها في الكتب العقلية ؛ انتهى كلامه وفيه بعض تلخيص.
وقال أيضاً :﴿ إلى الله ﴾ يشعر بالجهة وهو باطل فوجب حمله على أنهم ردّوا إلى حيث لا مالك ولا حاكم سواه ؛ انتهى.
والظاهر أن هذا الرد هو بالبعث يوم القيامة إلا ما أراده الرازي ووصفه تعالى بالحق معناه العدل الذي ليس بباطل ولا مجاز.
وقال أبو عبد الله الرازي : كانوا في الدنيا تحت تصرفات الموالي الباطلة وهي النفس والشهوة والغضب كما قال تعالى :﴿ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ فلما مات تخلص من تصرفات الموالي الباطلة وانتقل إلى تصرف المولى الحق انتهى كلامه.
وتفسيره خارج عن مناحي كلام العرب ومقاصدها وهو في أكثره شبيه بكلام الذين يسمون أنفسهم حكماء.
وقرأ الحسن والأعمش ﴿ الحق ﴾ بالنصب والظاهر أنه صفة قطعت فانتصبت على المدح وجوز نصبه على المصدر تقديره الرد الحق. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ ٤ صـ ﴾