ولما خص، رجع إلى التعميم رداً للآخر على الأول فقال :﴿ولا رطب ولا يابس﴾ أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد ﴿إلا في كتاب مبين﴾ أي موضح لأحواله وأعيانه وكل أموره وأحيانه، فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه على سبيل الإحكام والإتقان، لأنه وحده عالم بجميع المعلومات، ومن اختص بعلم جميع المعلومات كان مختصاً بصنع جميع المصنوعات قادراً على جميع المقدورات. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ٦٤٦ ـ ٦٤٧﴾
فصل
قال الفخر :
المفاتح جمع مفتح.
ومفتح، والمفتح بالكسر المفتاح الذي يفتح به والمفتح بفتح الميم الخزانة وكل خزانة كانت لصنف من الأشياء فهو مفتح، قال الفراء في قوله تعالى :﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بالعصبة﴾ [ القصص : ٧٦ ] يعني خزائنه فلفظ المفاتح يمكن أن يكون المراد منه المفاتيح ويمكن أن يراد منه الخزائن، أما على التقدير الأول.
فقد جعل للغيب مفاتيح على طريق الاستعارة لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن المستوثق منها بالأغلاق والأقفال فالعالم بتلك المفاتيح وكيفية استعمالها في فتح تلك الأغلاق والأقفال يمكنه أن يتوصل بتلك المفاتيح إلى ما في تلك الخزائن فكذلك ههنا الحق سبحانه لما كان عالماً بجميع المعلومات عبر عن هذا المعنى بالعبارة المذكورة وقرىء ﴿مفاتيح﴾ وأما على التقدير الثاني فالمعنى وعنده خزائن الغيب.
فعلى التقدير الأول يكون المراد العلم بالغيب، وعلى التقدير الثاني المراد منه القدرة على كل الممكنات في قوله :﴿وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [ الحجر : ٢١ ] وللحكماء في تفسير هذه الآية كلام عجيب مفرع على أصولهم فإنهم قالوا : ثبت أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول وأن العلم بالمعلول لا يكون علة للعلم بالعلة.