وحرف ( على ) فيه للاستعلاء، أي رجع على طريق جهة عقبه، كما يقال : رجع وراءه، ثم استعمل تمثيلاً شائعاً في التَّلبّس بحالة ذميمة كان فارقها صاحبُها ثم عاد إليها وتلبّس بها، وذلك أنّ الخارج إلى سفر أو حاجة فإنَّما يمشي إلى غرض يريده فهو يمشي القُدُمية فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيَه ؛ فيمثّل حاله بحال من رجع على عقبيه.
وفي الحديث :" اللهمّ أمْض لأصحابي هِجْرتهم ولا تَرُدّهم على أعقابهم " فكذلك في الآية هو تمثيل لحال المرتدّ إلى الشرك بعد أن أسلَم بحال من خرج في مهمّ فرجع على عقبيه ولم يقض ما خرج له.
وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يُقال : ونرجعُ إلى الكفر بعد الإيمان.
وقد أضيف ( بعد ) إلى ﴿ إذْ هدانا ﴾ وكلاهما اسم زمان، فإنّ ( بعد ) يدلّ على الزمان المتأخِّر عن شيء كقوله :﴿ ومن بعد صلاة العشاء ﴾ [ النور : ٥٨ ] و( إذا ) يدلّ على زمان معرّف بشيء، ف ( إذا ) اسم زمن متصرّف مراد به الزمان وليس مفعولاً فيه.
والمعنى بعدَ الزمن الذي هدانا الله فيه، ونظيره
﴿ ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا ﴾ في سورة [ آل عمران : ٨ ].
ارتقى في تمثيل حالهم لو فُرض رجوعهم على أعقابهم بتمثيل آخر أدقّ، بقوله :﴿ كالذي استهوته الشياطين في الأرض ﴾، وهو تمثيل بهيئة متخيّلة مبنيّة على اعتقاد المخاطبين في أحوال الممسُوسينَ. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٦ صـ ﴾