والمراد من كون قوله حقاً في ذلك اليوم أنه سبحانه لا يقضي إلا بالحق والصدق، لأن أقضيته منزهة عن الجور والعبث.
وثالثها : قوله :﴿وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور﴾ فقوله :﴿وَلَهُ الملك﴾ يفيد الحصر، والمعنى : أنه لا ملك في يوم ينفخ في الصور إلا الحق سبحانه وتعالى، فالمراد بالكلام الثاني تقريراً لحكم الحق المبرأ عن العبث والباطل، والمراد بهذا الكلام تقرير القدرة التامة الكاملة التي لا دافع لها ولا معارض.
فإن قال قائل : قول الله حق في كل وقت، وقدرته كاملة في كل وقت، فما الفائدة في تخصيص هذا اليوم بهذين الوصفين ؟
قلنا : لأن هذا اليوم هو اليوم الذي لا يظهر فيه من أحد نفع ولا ضر، فكان الأمر كما قال سبحانه :﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ فلهذا السبب حسن هذا التخصيص، ورابعها : قوله :﴿عالم الغيب والشهادة﴾ تقديره، وهو عالم الغيب والشهادة.
واعلم أنا ذكرنا في هذا الكتاب الكامل أنه سبحانه ما ذكر أحوال البعث في القيامة إلا وقرر فيه أصلين : أحدهما : كونه قادراً على كل الممكنات، والثاني : كونه عالماً بكل المعلومات لأن بتقدير أن لا يكون قادراً على كل الممكنات لم يقدر على البعث والحشر ورد الأرواح إلى الأجساد وبتقدير أن لا يكون عالماً بجميع الجزئيات لم يصح ذلك أيضاً منه لأنه ربما اشتبه عليه المطيع بالعاصي.
والمؤمن بالكافر، والصديق بالزنديق، فلا يحصل المقصود الأصلي من البعث والقيامة.
أما إذا ثبت بالدليل حصول هاتين الصفتين كمل الغرض والمقصود، فقوله :﴿وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور﴾ يدل على كمال القدرة، وقوله :﴿عالم الغيب والشهادة﴾ يدل على كمال العلم فلا جرم لزم من مجموعهما أن يكون قوله حقاً، وأن يكون حكمه صدقاً، وأن تكون قضاياه مبرأة عن الجور والعبث والباطل.