فصل
قال الفخر :
"الكاف" في كذلك للتشبيه، وذلك إشارة إلى غائب جرى ذكره والمذكور ههنا فيما قبل هو أنه عليه السلام استقبح عبادة الأصنام، وهو قوله :﴿إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضلال مُّبِينٍ﴾ والمعنى : ومثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام نريه ملكوت السموات والأرض.
وههنا دقيقة عقلية، وهي أن نور جلال الله تعالى لائح غير منقطع ولا زائل ألبتة، والأرواح البشرية لا تصير محرومة عن تلك الأنوار إلا لأجل حجاب، وذلك الحجاب ليس إلا الاشتغال بغير الله تعالى، فإذا كان الأمر كذلك فبقدر ما يزول ذلك الحجاب يحصل هذا التجلي فقول إبراهيم عليه السلام :﴿أتتخذ أصناماً آلهة﴾ إشارة إلى تقبيح الاشتغال بعبادة غير الله تعالى، لأن كل ما سوى الله فهو حجاب عن الله تعالى، فلما زال ذلك الحجاب لا جرم تجلى له ملكوت السموات بالتمام، فقوله :﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات﴾ معناه : وبعد زوال الاشتغال بغير الله حصل له نور تجلى جلال الله تعالى، فكان قوله :﴿وكذلك﴾ منشأ لهذه الفائدة الشريفة الروحانية. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٣ صـ ٣٤ ـ ٣٥﴾
فصل
قال الفخر :
لقائل أن يقول هذه الإراءة قد حصلت فيما تقدم من الزمان، فكان الأولى أن يقال : وكذلك أرينا إبراهيم ملكوت السموات والأرض، فلم عدل عن هذه اللفظة إلى قوله ﴿وَكَذَلِكَ نُرِى ﴾.
قلنا : الجواب عنه من وجوه : الأول : أن يكون تقدير الآية، وكذلك كنا نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، فيكون هذا على سبيل الحكاية عن الماضي.
والمعنى أنه تعالى لما حكى عنه أنه شافه أباه الكلام الخشن تعصباً للدين الحق.
فكأنه قيل : وكيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ العظيم في قوة الدين، فأجيب بأنا كنا نريه ملكوت السموات والأرض من وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه.
الوجه الثاني في الجواب : وهو أعلى وأشرف مما تقدم، وهو أنا نقول : إنه ليس المقصود من إراءة الله إبراهيم ملكوت السموات والأرض هو مجرد أن يرى إبراهيم هذا الملكوت، بل المقصود أن يراها فيتوسل بها إلى معرفة جلال الله تعالى وقدسه وعلوه وعظمته.
ومعلوم أن مخلوقات الله وإن كانت متناهية في الذوات وفي الصفات، إلا أن جهات دلالاتها على الذوات والصفات غير متناهية.