وثالثها : أنه تعالى قال بعد هذه الآية :﴿قَدْ جَاءكُم بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا﴾ [ الأنعام : ١٠٤ ]، وهذا تصريح بكون العبد مستقلاً بالفعل والترك، وأنه لا مانع له ألبتة من الفعل والترك، وذلك يدل على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى إذ لو كان مخلوقاً لله تعالى لما كان العبد مستقلاً به، لأنه إذا أوجده الله تعالى امتنع منه الدفع، وإذا لم يوجده الله تعالى امتنع منه التحصيل.
فلما دلت هذه الآية على كون العبد مستقلاً بالفعل والترك وثبت أن كونه كذلك يمنع أن يقال فعل العبد مخلوق لله تعالى، ثبت أن ذكر قوله :﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا﴾ يوجب تخصيص ذلك العموم.
ورابعها : أن هذه الآية مذكورة عقيب قوله :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن﴾ وقد بينا أن المراد منه رواية مذهب المجوس في إثبات إلهين للعالم.
أحدهما يفعل اللذات والخيرات، والآخر يفعل الآلام والآفات فقوله بعد ذلك :﴿لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَىْء﴾ يجب أن يكون محمولاً على إبطال ذلك المذهب، وذلك إنما يكون إذا قلنا إنه تعالى هو الخالق لكل ما في هذا العالم من السباع والحشرات والأمراض والآلام، فإذا حملنا قوله :﴿خالق كُلّ شَىْء﴾ على هذا الوجه لم يدخل تحت أعمال العباد.
قالوا : فثبت أن هذه الدلائل الأربعة توجب خروج أعمال العباد عن عموم قوله تعالى :﴿خالق كُلّ شَىْء ﴾.
والجواب : أنا نقول الدليل العقلي القاطع قد ساعد على صحة ظاهر هذه الآية.
وتقريره أن الفعل موقوف على الداعي وخالق الداعي هو الله تعالى، ومجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل وذلك يقتضي كونه تعالى خالقاً لأفعال العباد، وإذا تأكد هذا الظاهر بهذا البرهان العقلي القاطع زالت الشكوك والشبهات. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٣ صـ ٩٩ ـ ١٠٠﴾