فإن كان من صفات الكمال مع أنه حصل الامتياز به لم يكن جميع صفات الكمال مشتركاً فيه بينهما، وإن لم يكن ذلك المميز من صفات الكمال، فالموصوف به يكون موصوفاً بصفة ليست من صفات الكمال، وذلك نفصان، فثبت بهذه الوجوه الثلاثة أن الإله الواحد كاف في تدبير العالم والإيجاد، وأن الزائد يجب نفيه فهذه الطريقة هي التي ذكرها الله تعالى ههنا في تقرير التوحيد.
وأما التمسك بدليل التمانع فقد ذكرناه في سورة البقرة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٣ صـ ٩٩﴾
فصل
قال الفخر :
تمسك أصحابنا بقوله :﴿خالق كُلّ شَىْء﴾ على أنه تعالى هو الخالق لأعمال العباد قالوا : أعمال العباد أشياء، والله تعالى خالق كل شيء بحكم هذه الآية فوجب كونه تعالى خالقاً لها واعلم أنا أطنبنا الكلام في هذا الدليل في كتاب "الجبر والقدر"، ونكتفي ههنا من تلك الكلمات بنكت قليلة.
قالت المعتزلة : هذا اللفظ وإن كان عاماً إلا أنه حصل مع هذه الآية وجوه تدل على أن أعمال العباد خارجة عن هذا العموم.
فأحدهما : أنه تعالى قال :﴿خالق كُلّ شَىْء فاعبدوه﴾ فلو دخلت أعمال العباد تحت قوله :﴿خالق كُلّ شَىْء﴾ لصار تقدير الآية : أنا خلقت أعمالكم فافعلوها بأعيانها أنتم مرة أخرى.
ومعلوم أن ذلك فاسد.
وثانيها : أنه تعالى إنما ذكر قوله :﴿خالق كُلّ شَىْء﴾ في معرض المدح والثناء على نفسه، فلو دخل تحته أعمال العباد لخرج عن كونه مدحاً وثناء لأنه لا يليق به سبحانه أن يتمدح بخلق الزنا واللواط والسرقة والكفر.